نواصل في هذه الأيام والليالي الرمضانية العامرة بروح الصفاء والسكينة صفحاتٍ أخرى من سلسلة “قراءة في مسودة كتاب سفراء الوطن… نماء وعطاء“، ذلك الكتاب الذي يسعى إلى توثيق نماذج مضيئة من المرشدين والمرشدات السياحيين الذين حملوا رسالة التعريف بالوطن، وجعلوا من الإرشاد السياحي عملاً ثقافيًا وإنسانيًا يعكس عمق التاريخ السعودي وثراء موروثه الحضاري.
وفي هذه الحلقة نقف عند سيرة المرشدة السياحية رجاء بمبي، إحدى الشخصيات التي اختارت أن يكون حضورها في ميدان الإرشاد السياحي امتدادًا لحب المكان والانتماء إليه، وأن تجعل من مهنتها نافذة يطل من خلالها الزائر على جمال الوطن وكنوزه التاريخية والثقافية.
إن تجربة رجاء بمبي تمثل نموذجًا للمرشدة التي تجمع بين المعرفة والشغف، وبين حسن التقديم وصدق الرسالة؛ فهي تؤمن أن الإرشاد السياحي ليس مجرد تعريفٍ بالمواقع والمعالم، بل هو حكاية وطن تُروى بلغة الوعي والثقافة والاحترام، وجسر إنساني يصل الزائر بتاريخ المكان وروحه، ليخرج من الرحلة وهو يحمل في ذاكرته صورة نابضة بالحياة عن أرضٍ عريقةٍ صنعت تاريخها واحتضنت حضاراتها عبر القرون.
في قلب مكة المكرمة، حيث تنبض خدمة المكان والإنسان، تمتد مسيرة المرشدة السياحية رجاء بمبي التي كرّست أعوام عطائها في ميادين التربية، والتواصل المجتمعي، والإرشاد السياحي، قبل أن تتقاعد من وزارة التعليم وقد تركت أثرًا لا يُمحى في نفوس من عملت معهم.
تلقت تعليمها العالي في كلية المعلمات بمكة، حيث درست الاقتصاد المنزلي والتربية الفنية، فجمعت بين المعرفة العلمية والمهارة العملية، لتبدأ بعدها رحلتها المهنية كمعلمة، ثم قيادية تربوية واجتماعية.
على مدى سنوات العمل، صقلت رجاء شخصية تتسم بالمرونة، وحسن التعامل، والقدرة على التكيّف مع مختلف البيئات. عُرفت بمهاراتها الاجتماعية العالية، وقدرتها على حل المشكلات، والعمل ضمن فريق أو بشكل مستقل. امتلكت حسًا تنظيميًا عاليًا، فكانت تخطط وتنفذ وتتابع، وتدير الأنشطة بروح إيجابية ومنهجية واضحة، ملتزمة بالسلوك الأخلاقي وقيم العمل.
بعد سنوات من الخبرة التربوية، اتجهت رجاء لإثراء المجتمع عبر العمل التطوعي، فترأست لجنة التواصل الحضاري في فريق مكة التطوعي، وكانت نموذجًا للمرأة القادرة على القيادة الهادئة ومبادرات البناء. وتميزت بحصولها على رخصة مرشدة سياحية عامة، لتصبح حلقة وصل بين الزائر والمكان، وعضوًا فاعلاً في الجمعية السعودية للمرشدين، وعضوة في فريق مطوفي مكة التطوعي، حيث أسهمت في خدمة ضيوف الرحمن بوعي ومعرفة واحتواء. وفي مشوارها الارشادي تخصصت في مسار جده التاريخية وتدربت على مسارات عدة داخل البلاد
سعت رجاء باستمرار إلى تطوير ذاتها، فخاضت مجموعة من الدورات النوعية؛ في الاستشارات الأسرية، وفي تحليل الشخصية وفق نظام هيرمان، ومؤشر بيركز، إلى جانب دورة الإسعافات الأولية 2018، ثم دورة لا تقف الأمر 2019، ودورة مهارات التفكير الإبداعي، مما عزز أدواتها المهنية والإنسانية.
لم تكن سيرتها مجرد وظائف ومهارات، بل تجربة إنسانية عنوانها العطاء، والوعي المجتمعي، والإيمان بأن خدمة مكة شرف، وأن قيادة التغيير تبدأ من الفرد القادر على التطوير.
وهكذا تبقى رجاء بمبي إحدى النساء اللواتي قدّمن نموذجًا ملهمًا في التعليم، والإرشاد، والتطوع، وهو نموذج يستحق أن يُسجَّل ضمن سير الرواد.




