في زمن لم يعد فيه الخبر ينتظر صدوره، بل يولد لحظة التقاطه، ويجري بسرعة الضوء عبر الشاشات الصغيرة التي تسكن أيدي أبنائنا، يقف الوعي الإعلامي بوصفه الحارس الخفي للعقول، والدرع الأخلاقي للسلوك، ولم تعد المدرسة وحدها من تعلم، ولا الأسرة وحدها من توجه، بل أصبح الفضاء الرقمي معلما ثالثا، صامتا حينا، صاخبا حينا آخر، لكنه في كل الأحوال عميق الأثر، بعيد الغور، ومن هنا، فإنّ الوعي لم يعد مهارة إضافية، بل شرطا أساسيا للنجاة المعرفية في عالم متسارع الإيقاع.
إنّ الطفل اليوم لا يتلقى المعلومة كما كان يفعل بالأمس، بل يصنعها، ويعيد إنتاجها، وينشرها أحيانا دون إدراك لثقل الكلمة أو خطورة الصورة؛ وهنا تتجلى المفارقة الفلسفية: كيف يمكن لعقل في طور التشكل أن يتعامل مع أدوات تفوق نضجه؟ وكيف لطفل لم يكتمل وعيه أن يتحمل مسؤولية النشر في عالم لا ينسى؟
لقد أشار التربوي الأمريكي جون ديوي إلى أنّ "التعليم ليس إعدادا للحياة، بل هو الحياة نفسها"، وإذا كانت الحياة اليوم رقمية بامتياز، فإن الوعي الإعلامي لم يعد ترفا تربويا، بل ضرورة وجودية. فالتلميذ الذي يحمل هاتفه يحمل نافذة على العالم، لكنه يحمل أيضا مسؤولية أخلاقية تجاه هذا العالم، كما يؤكد جان بياجيه أنّ نمو التفكير لدى الطفل يمر بمراحل، وأن القدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم لا تكتمل إلا تدريجيا، وهو ما يفسر قابلية بعض الطلاب للانسياق خلف الشائعات أو المحتوى المضلل، خاصة في ظل غياب التوجيه النقدي.
وفي هذا الإطار، تتكامل أدوار الأسرة والمدرسة بوصفهما شريكين في بناء الوعي؛ فالأسرة تمارس التوجيه القيمي القائم على المتابعة والحوار، أما المدرسة فتمارس دورا منهجيا منظما، ينتقل بالوعي من التلقين إلى الممارسة. وهنا تبرز أهمية البيئة التعليمية التي تعزز التفكير النقدي، وتدرب الطلاب على تحليل المحتوى الإعلامي لا استهلاكه فقط، انسجاما مع ما طرحه باولو فريري بأنّ التعليم الحقيقي هو الذي يحرر الإنسان لا الذي يملأه بالمعلومات، كما أنّ إدماج مفاهيم التربية الإعلامية في الأنشطة الصفية واللاصفية يسهم في تحويل الطالب من متلق سلبي إلى مشارك واعٍ.
وفي هذا الإطار، تقدم مدرسة بعض المدارس نموذجا تطبيقيا للدور التوعوي للمدرسة، حيث تعمل على ترسيخ ثقافة الوعي الإعلامي من خلال ممارسات تربوية هادفة، تشمل توعية الطلاب بمخاطر نشر الشائعات أو تصوير الأحداث دون تحقق، وتنظيم لقاءات إرشادية حول أخلاقيات استخدام وسائل التواصل، إلى جانب تعزيز الشراكة مع أولياء الأمور، وتشجيع الطلاب على إنتاج محتوى إيجابي يعكس القيم الوطنية. ويعكس هذا النموذج فهما عميقا لوظيفة المدرسة بوصفها مؤسسة لصناعة الوعي، لا مجرد نقل المعرفة.
إنّ تصوير المواقع الحساسة أو نشر مشاهد الأزمات والحوادث دون تحقق ليس سلوكا عابرا، بل قد يحمل تبعات أخلاقية وأمنية عميقة، إذ قد تتحول الصورة إلى أداة لنشر الخوف أو تضليل الرأي العام أو تهديد أمن المجتمع، ومن هنا تتجلى المسؤولية الوطنية بوصفها قيمة يجب أن تُغرس تربويا منذ الصغر، عبر الممارسة اليومية والتوجيه المستمر.
إننا أمام معادلة دقيقة؛ فنحن نريد أبناء منفتحين على العالم، ويمتلكون الوعي بحدود هذا الانفتاح، ومشاركين في الفضاء الرقمي، لكن بمسؤولية أخلاقية ونضج فكري؛ فالوعي الإعلامي ليس درسا يلقن، بل سلوك يعاش، وثقافة تبنى، وقيمة تغرس بالتدرج، ويعززها القدوة قبل التوجيه.
وفي الختام، فإنّ المدرسة الواعية، بالتكامل مع الأسرة، قادرة على بناء جيل لا يكتفي بأن يرى، بل يفهم، ولا يكتفي بأن ينشر، بل يتحمل مسؤولية ما ينشر، ففي زمن الفوضى الرقمية، يصبح الوعي هو النظام، وتصبح التربية هي الحصن الأخير، ويغدو الإنسان الواعي هو خط الدفاع الأول عن مجتمعه وقيمه.
بقلم أ.د. عبدالحليم موسى

المدرسة وصناعة الوعي الرقمي لدى الطلاب
وصلة دائمة لهذا المحتوى : https://shahdnow.sa/articles/341147/



