مصر التي في خاطر العرب جميعاً مصر العروبة والتاريخ مصر صلاح الدين الأيوبي ومجد معركة عين جالوت ومصر الكرامة في حرب أكتوبر 1973 .. تلك التي لم تكن يوماً مجرد دولة بل كانت دائماً قلباً نابضاً للأمة وصوتاً إذا تحدّثَ أصغى إليه العرب .
ليست العلاقة بين مصر ودول الخليج العربي علاقة مصالح عابرة تُقاس ببيانٍ سياسي أو موقفٍ طارئ بل هي وشائج ممتدة في عمق التاريخ نسجتها المروءة العربية قبل أن تُدوّنها الدبلوماسية وأثبتتها المواقف الكبرى حين اشتدت المحن وتكاثرت العواصف .. إنها علاقة شعوبٍ تعرف بعضها بعضاً وتشبه بعضها بعضاً وتستند إلى ذاكرةٍ من العطاء والوفاء لا تُمحى بسهولة .
وفي لحظات التوتر والعدوان ، كما في العدوان الإيراني الغادر والآثم ، تتجه الأنظار بطبيعتها إلى مصر ، إلى ثقلها العربي وإلى صوتها الذي اعتاد العرب ، أن يجدوا فيه صدىً لقضاياهم .
وقد كان أهل الخليج ينتظرون موقفاً مصرياً ، أكثر حزماً وأسرع حضوراً ،ليس من باب اللوم ، بل من باب الثقة بمكانة مصر ودورها التاريخي
وكذلك انتظاراً لموقفٍ أكثر وضوحاً من ، جامعة الدول العربية التي وُجدت لتكون ، مظلةً لقضايا العرب لا صدىً باهتاً لها !!
لكن السياسة كالحياة لا تسير دائماً بإيقاع العاطفة ، وقد يتأخر الموقف دون أن يغيب ، ويأتي البيان بعد صمتٍ ، لا يعني بالضرورة غياب الإرادة ، وهنا تحديداً ينبغي أن نرتفع عن ردود الفعل اللحظية ، وأن نزن الأمور بميزان التاريخ لا باندفاع اللحظة ، فمصر ليست دولةً عابرة في الوجدان الخليجي ، كما أن الخليج ليس هامشاً في حسابات مصر .
ومن هذا الأفق نستحضر موقفاً خالداً من التاريخ الإسلامي ، يجمع بين الحكمة والصبر وبعد النظر .. حين عاتب سيدنا علي بن أبي طالب القائد الحكيم الأحنف بن قيس بعد معركة الجمل متسائلًا عن غيابه ..
جاء الرد عميقاً بقدر ما هو موجز : "على رسلك يا أمير المؤمنين، ففي القادم من الأيام ستحتاجني أكثر . "
لم يكن امتناعًا عن النصرة بل قراءةً مختلفةً لتوقيت المشاركة ، ولم تمضِ الأيام حتى جاءت معركة صفين فكان الأحنف وقومه في الصف الأول حاضرون بالفعل مؤكدين أن المواقف لا تُقاس بلحظة واحدة وأن الغياب المؤقت لا يعني غياب الانتماء .
وهكذا هي مصر مع الخليج ، قد يختلف التوقيت ،وقد تتباين درجات الحضور ، لكن الجذر واحد
والمصير مشترك ، والتاريخ شاهد لا يكذب ، فلا ينبغي أن تختزل العلاقة في موقفٍ تأخر ، ولا أن تُختبر في بيانٍ جاء بعد حين ، لأن ما بين مصر والخليج أكبر من ذلك بكثير ، أكبر من لحظة سياسية وأعمق من ردّة فعل !!
إننا بحاجةٍ إلى مصر ، كما أن مصر بحاجةٍ إلى عمقها الخليجي ، حاجة تتجاوز الاقتصاد إلى الأمن وتتجاوز السياسة إلى الهوية ، وتتجاوز الحاضر إلى المستقبل ، فحين تشتد الأزمات ، لا يُبحث عن الحلفاء الجدد ، بل يُستدعى الأشقاء .
وختاماً :
كما قال الأحنف قديماً قد يتأخر الحضور ، لكن حين تحين ساعة الموقف ، يكون الحضور أثقل وأصدق ، ومصر بتاريخها ومكانتها ، لن تكون يوماً بعيدة عن دول الخليج العربي ، كما أن الخليج لم يكن يوماً بعيداً عنها ، إنها قصة أمةٍ واحدة .. وإن اختلفت فصولها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*كاتب وأديب كويتي




