ليست كل مساواةٍ عدلًا، وليست كل دعوةٍ إلى التوازن إنصافًا. ففي زمنٍ تتسارع فيه الروايات وتتزاحم الأصوات، تبرز مغالطة "التكافؤ الكاذب" بوصفها واحدةً من أكثر الوسائل هدوءًا وخطورةً في تشويه الحقائق؛ إذ تُوضَع وقائع متباينة في كفةٍ واحدة، ثم يُطلب من المتلقي أن يتعامل معها وكأنها متعادلة في الجوهر والأثر والمسؤولية.
وتكمن خطورة هذه المغالطة في أنها لا تظهر بصورتها الصريحة أو الفجّة، بل تتسلل في هيئة خطابٍ متزن، أو موقفٍ يتذرّع بالحياد. غير أن الحياد، حين يتجاهل الفروق الحقيقية بين القضايا، لا يعود حيادًا، بل يتحول إلى ستارٍ يخفي اختلال الميزان. فليس كل خطأٍ في الدرجة نفسها، وليس كل موقفٍ نقيضًا لموقفٍ آخر بالقوة ذاتها، كما أن التشابه في الظاهر لا يعني التماثل في العمق.
وفي النقاشات العامة " الإعلامية والاجتماعية … وغيرها " تتجلّى هذه المغالطة بوضوح. فقد تُقارَن واقعة محدودة بانحرافٍ جسيم، أو تصرّف فردي بسلوكٍ ممنهج، ثم يُراد لهذه المقارنة أن تنتهي إلى حكمٍ واحدٍ جامد: "الجميع سواء". غير أن الحقيقة أعقد من أن تُختزل بهذه السهولة، وأعمق من أن تُدار بهذه الخفة. فالمقارنة العادلة لا تُسوّي بين المختلفات، بل تكشف الفروق، وتضع كل قضيةٍ في سياقها الطبيعي، وتمنحها وزنها الحقيقي.
ولعل ما يمنح هذه المغالطة قوتها أنها تتخفّى خلف كلمةٍ محببة: "التوازن". فمن يرفض التوازن؟ ومن يعترض على المساواة؟ لكن الإشكال لا يكمن في المفردة ذاتها، بل في توظيفها خارج موضعها. فعندما يُطلب من الناس أن يساووا بين ما لا يستوي، فإنهم لا يُدعون إلى الإنصاف، بل إلى قبول قراءةٍ مشوّهة للواقع؛ قراءةٍ تُجمّل الخطأ بدل أن تكشفه، وتُخفف الاختلال بدل أن تضعه في حجمه الحقيقي.
إن أخطر ما في مغالطة التكافؤ الكاذب أنها لا تفسد الحكم وحده، بل تربك الوعي نفسه . فهي تدفع المتلقي إلى تجاوز التفاصيل الفاصلة، والاكتفاء بالانطباع العام، حتى يصبح الفرق بين الجوهري والهامشي ضبابيًا، وبين العادل والزائف ملتبسًا. ومع الوقت، تتحول المقارنات السطحية إلى “حقائق” متداولة، ويغدو التضليل ممارسًا بعباءة الاتزان.
ومن هنا، فإن مقاومة هذه المغالطة ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة أخلاقية وثقافية. فالمجتمعات التي تتهاون في التمييز بين الشيء ونقيضه، سرعان ما تفقد قدرتها على الحكم السليم، وتضعف مناعتها أمام الخطاب الملتبس. فالعدل الحقيقي لا يقوم على مساواةٍ مصطنعة، بل على فهمٍ دقيقٍ للسياق، وجرأةٍ في تسمية الأشياء بأسمائها، وحكمةٍ في وضع كل واقعةٍ في موضعها الذي تستحقه.
أخيرا :-
إن "التكافؤ الكاذب"، في جوهره، ليس سوى محاولةٍ لتزوير الحقيقة باسم التوازن. ولذلك يبقى السؤال الأهم أمام كل قارئٍ ومتابع ، هل ما يُقدَّم له مقارنةٌ منصفة فعلًا، أم مساواةٌ مصطنعة يُراد بها أن تبدو الحقيقة أقل وضوحًا مما هي عليه؟




