في زمن تتكاثر فيه الأسماء وتقل فيه القامات، تمر أحيانا شخصيات لا تصنع الضجيج لكنها تصنع الأثر، تعيش بين الناس ببساطة وتغادرهم بعظمة، فقد كانت الأستاذة عفاف خالد واحدة من تلك الأرواح النادرة التي لا تقاس بسنوات العمر، بل بعدد القلوب التي أيقظتها والعقول التي أنارتها والأيادي التي أمسكت بها في صمت.
في مدرسة فطيس لم تكن مجرد معلمة، بل كانت مؤسسة أخلاقية تمشي على قدمين، فقد مرت بين يديها أجيال من الأطباء والمهندسين والمعلمين ولم تكن تدرسهم المناهج فقط، بل كانت تدرسهم معنى أن يكون الإنسان مستقيما من الداخل قبل أن يكون ناجحا من الخارج، إذ كانت ترى الانضباط جناحا لا قيدا والقيادة قلبا واسعا لا صوتا مرتفعا، حينما تدخل الفصل يسكن الضجيج احتراما لأنّ حضورها كان درس قبل أن تبدأ في شرح الدرس؛ وأعظم دروسها لم تكن على السبورة.
كانت عطوفة على المساكين في صمت يشبه العبادة، إذ يخرج معظم راتبها للفقراء دون أن يعلم أحد وكأنّها كانت تخشى أن يجرح الإعلان جمال العطاء، فهي لم تكن تعطي من فائض مالها، بل من نصيب مرتبها المحدود، ولم يعرف سر يدها البيضاء إلا بعد رحيلها وكأنّ الخير الخالص لا يكشف وجهه إلا حين يطمئن أنّ صاحبه مضى.
ثم جات حرب السودان والتي تعتبر الامتحان الذي لا يختار طلابه، فقد تحول الوطن إلى نار والطريق إلى نجاة مؤقتة، خرجت مهاجرة مع أسرتها هربا من جحيم حرب السودان وهي تحمل صبر المعلم وإيمان المربي، وفي أسوان توقفت الرحلة لكن الأثر لم يتوقف، رحلت روحها وبكاها من عرفها ومن سمع بها حتى الأطفال شعروا أنّ شيئا نقي قد غاب من العالم.
رحيل الأستاذة عفاف خالد ترك فراغا لا يمتلئ في قلب أسرتها التي كانت محور حياتها، فقد خلفت وراءها زوجها الأستاذ القدير حمدان الأمير الذي شاركها رحلة العطاء بصمت، وابنتها الوحيدة أم البراء التي تحمل ذات صفات أمها من رحمة وكرم وعطاء، وثلاثة أبناء: أمير وخالد ويس، الذين حملوا من روحها وعطائها ما يجعلهم يستمرون في نشر النور الذي زرعته في حياتهم. ولعل كرم عفاف خالد لم يكن وليد اللحظة، بل اقتبسته من جذورها الأولى، من بيت أبيها الحاج خالد بابكر، الذي كان بيته مفتوحا لكل أهله من منطقة الشوال؛ هناك تعلمت أنّ الكرم ليس فعلا يحسب بالحسابات، بل لغة قلبية تعطي بلا تردد، ورعاية لا تنتظر مقابلا، وبيتا يتحول إلى ملاذ لكل محتاج، فالأصل يزرع في النفس قيم تتوارثها الأجيال، وعفاف خالد حملت هذه القيم لتصبح نموذجا حيا للرحمة والعطاء، مدرسة لا حدود لها، تمشي بين الناس فتترك أثرا لا يمحى.
ولو كنت وزيرا للتربية لما اكتفيت برثائها بكلمات بل لخلدت اسمها باسم يقرأ كل صباح ويرفع على بوابة أكبر مدرسة نموذجية في محافظة الحصاحيصا، لأن بعض المعلمين لا يدرسون المناهج فقط، بل يكتبون من أعمارهم مناهج للحياة ومن أخلاقهم مقررات للضمير، لو وزيرا كنت سأجعل اسمها على مدرسة واسعة النوافذ كثيرة الضوء لأنّ روحها كانت كذلك نافذة أمل وضوء انضباط ودفء إنسانية، يدخلها الطلاب فيسألون: من عفاف خالد؟ فيقال: هذه معلمة صنعت جيلا من الطلاب قبل أن تصنع نتائج.
وتخليد المعلم ليس حجر ولا لافتة، بل رسالة للأحياء، هذا هو النموذج الذي نريده أن يتكرر؛ فالأمم لا تبنى بالسياسات وحدها، بل بالقدوات والقدوة حين تسمى مدرسة تصبح كل حصة فيها وفاء وكل جرس تحية. ولعل طلابها وهم امتدادها الحقيقي يكملون المعنى في فطيس فيسمون قاعة أو مكتبة أو مبادرة تعليمية باسمها وينشئون جائزة سنوية تحمل اسمها مدعومة منهم ومن أصحاب الأموال على نهج الجوائز العالمية في النزاهة والمعايير والأثر. جائزة لا تكرم التفوق الدراسي وحده، بل التفوق الإنساني عبارة عن طالب رحيم، معلم ملهم، مبادرة تخدم الناس، فتتحول الجائزة إلى فلسفة تؤكد أنّ النجاح بلا ضمير نقص وأنّ العلم بلا رحمة ظل بلا روح.
عظماء التاريخ دخلوا إليه من أبواب متعددة لا يجمعهم طريق واحد، بل يجمعهم صدق الأثر وسمو الرسالة؛ فمنهم من دخل من باب العلم، ومنهم من دخل من باب الرحمة، ومنهم من دخل من باب التضحية الصامتة. والأستاذة عفاف خالد كانت واحدة ممن دخلوا من باب التربية الصادقة والإنسانية العميقة، فهي لم تسع إلى مجد يكتب لكنّها سعت إلى إنسان يبنى، فكتبها الأثر في ذاكرة الناس قبل أن يكتبها الحرف في السطور؛ فالتاريخ لا ينسى من زرعوا النور في القلوب ولهذا ستبقى عفاف خالد حاضرة ما بقي تلميذ يسير على خلق تعلمه منها أو إنسان امتدت إليه رحمتها في صمت.
وخاتمة، تبقى ذكراها رسالة لكل من يؤمن بأنّ الإنسانية أعلى من كل المناصب وأن العطاء بلا إعلان أصدق وأسمى من كل كلمات الإشادة. إن روحها تعلمنا أن الحياة تصبح أعمق وأكثر معنى حين نمد يدنا للآخرين ونزرع الخير بصمت ونترك الأثر دون انتظار مكافأة فالأرواح العظيمة مثل روح عفاف خالد لا تموت بل تستمر في كل قلب امتدت إليه محبتها وعلمها وعطاؤها، هكذا ينتصر المعلم حتى وهو راحل؛ وهكذا فقط لا تموت الأرواح الكبيرة، بل تتحول إلى طريق يمشي فيه الآخرون.
بقلم أ.د. عبدالحليم موسى

عفاف خالد .. حينما يغادر المعلم اوطاننا
وصلة دائمة لهذا المحتوى : https://shahdnow.sa/articles/333107/



