( الطبيعة بعد مشيئة الله قد تتحول إلى درعٍ يحمي الدول).
في كل الحروب التي عرفها التاريخ، لم تكن القوة وحدها هي الفيصل، بل كان للمكان كلمته الحاسمة والفاصلة.
ومن بين كل تضاريس الأرض، ظلت الجبال شاهدة على أعظم الانتصارات وأقسى الهزائم، حين أحسن البعض استغلالها، وأهملها آخرون.
فالجبال ليست مجرد كتلٍ صخرية شاهقة، بل هي حصون طبيعية تمنح من يتمركز فيها ميزة نادرة؛ ارتفاع يتيح الرؤية والسيطرة، ووعورة تعيق تقدم الخصوم، ومخابئ تحمي الإنسان وتحمي العدة والعتاد.
ولهذا، كانت الجبال عبر العصور أحد أهم أسرار التفوق العسكري والخزن الاستراتيجي.
ولعل واحدة من أشهر الإشارات التاريخية الإسلامية إلى هذا المعنى، ما نُقل عن عمر بن الخطاب حين نادى قائده: “يا سارية الجبل”، في لحظة تختصر فهمًا عميقًا لقيمة الجغرافيا في إدارة المعارك.
لم يكن النداء مجرد توجيه، بل كانت استراتيجية بحد ذاتها، وكان النداء كذلك إدراكًا بأن النجاة قد تكون في موقعٍ مرتفع ومحصن، وأن الجبل قد يكون الفارق بين الهزيمة والبقاء.
وفي مشهد آخر من التاريخ الإسلامي، تتجلى أهمية الجبال بوضوح في غزوة أحد، حين اختار النبي ﷺ موقع الرماة على مرتفع لحماية ظهر الجيش، لكن لحظة التراخي وترك الموقع قلبت موازين المعركة. لذا فالمكان وحده لا يكفي، بل يجب الثبات عليه واستغلاله.
وفي زمننا الحاضر، لا تزال الجبال تؤدي الدور ذاته، وإن اختلفت الأدوات.
وقس عليها ما حصل في جبال الألب وكيف استغلت؛ فهزمت الجيوش الرومانية. ورأينا ماذا صنعت جبال هندوكوش في أفغانستان عندما استفادوا منها...
واليوم، ومع تغير طبيعة الحروب، من الجيوش النظامية إلى النزاعات غير المتكافئة، عادت الجبال لتتصدر المشهد، كملاجئ آمنة، ومراكز للمناورة، ومساحات تقل فيها فعالية التكنولوجيا الحديثة.
ومهما تطور العالم في الأسلحة، تبقى الجبال تحديًا صعبًا لا يمكن تجاوزه بسهولة. فقد تتغير الأسلحة، وتتبدل الخطط، لكن تبقى الجبال كما كانت دائمًا: حليفًا صامتًا لمن يفهمها، وخصمًا قاسيًا لمن يتجاهلها.




