في ملكوت الأرواح، حيث تُوزن المعاني بموازين البصيرة لا بمكاييل البصر، يقف المرء بين حالين لا يلتقيان؛ حال الحرّ الذي صاغته الكرامة من طينة السماء، وحال من جعل لضميره سقفاً من ورق المال وقدرًا يُقاس بالدرهم والدينار.
إن الذي جعل لنفسه ثمناً قد أعلن صراحةً عن موعد سقوطه، فالمزاد الذي يبدأ بالعرض لا ينتهي إلا بالبيع، ومن دخل سوق الذمم سلبته السلعة وقار السيادة، فكيف يؤتمن على سرٍّ أو يُستودع على عهد من كانت بوصلته تميل مع رنين الذهب حيثما مال؟ إن الأمانة في جوهرها هي التحرر من سطوة الحاجة، وهي ذاك القفل الذي لا يملك مفتاحه إلا من استغنى بالله وعزّ بصدقه، فبينما يرى الأمين المؤتمن في العهد قيداً من نور يرفعه إلى علياء القداسة، يرى من له ثمن في العهد قيداً من حديد ينتظر أول مطرقة من الإغراء ليتحطم وينصهر.
الأمين كالجبل الراسخ لا تفتنه رياح العطايا ولا تهزه عواصف الخطوب، يسكن الصدق في عروقه مسيل الدماء، يرى في خيانة الأمانة موتاً قبل الموت، وفي صونها حياةً تستحق الشقاء؛ أما الذي رضي بأن يكون له ثمن، فهو كالغصن اليابس يميل حيث مالت الريح، ولاؤه عقد إيجار موقوت ينفسخ بظهور عطاءٍ أجزل، وعينه لا ترقب وجه الحق بل ترقب كفة الميزان. إن الفرق بينهما هو الفرق بين الجوهر الصافي الذي لا يزيده الصهر إلا نَقاءً، وبين النحاس المموه الذي ينكشف زيفه عند أول اختبار للنار، فالمؤتمن يشتري خلود ذكره بفناء مطامعه، بينما يبيع الآخر خلود نفسه بلذةٍ عابرة، ليظل في نهاية المطاف عبداً لثمنه، محروماً من شرف الوقوف في حضرة الأحرار الذين لا تُباع ضمائرهم ولو ملكوا الدنيا وما فيها، إذ أن من كان له ثمن، فقد كشف عن الثغرة التي يمكن من خلالها هدم حصنه، ومن أُخذ من ثغرته لا يُؤتمن على أمة ولا يُستجار به في شدة.




