تتجاوز البطولات الرياضية الكبرى حدود المنافسة على الميداليات، لتتحول في كثير من الأحيان إلى منصات للتلاقي والتعاون وبناء الخبرات. وهذا ما نلمسه بوضوح في البطولة العربية الحادية والعشرين لألعاب القوى للشباب والشابات المقامة على أرض تونس الحبيبة، حيث توالت خيراتها ومكاسبها منذ لحظة انطلاقها.
فأول هذه المكاسب يتمثل في التجمع العربي الكبير الذي جمع شباب الوطن العربي تحت مظلة الرياضة، في مشهد أخوي جميل يجسد روح الوحدة والتقارب بين أبناء الأمة الواحدة. لقد التقى شباب العرب على مضمار أم الألعاب، يتنافسون بشرف، ويتبادلون الخبرات والتجارب، في صورة رياضية تعكس القيم النبيلة للرياضة العربية.
لكن ما يميز هذه البطولة حقًا هو أن ثمارها لم تقتصر على المنافسات داخل المضمار، بل امتدت إلى مبادرات نوعية مهمة أقيمت على هامش البطولة، تؤكد أن القائمين على تنظيمها في تونس يدركون أن النجاح الحقيقي لأي بطولة يكمن في ما تتركه من أثر معرفي وتطويري مستدام.
ومن أبرز هذه المبادرات الدورة التدريبية لتأهيل الحكام وفق المعايير الدولية، وهي مبادرة بالغة الأهمية تعكس حرص الجامعة التونسية لألعاب القوى، بالتعاون مع الاتحاد العربي، على رفع كفاءة الكوادر التحكيمية وتعزيز جودة التنظيم وفق أحدث القوانين الدولية. وهذه خطوة استراتيجية مهمة تسهم في بناء قاعدة تحكيمية عربية قادرة على إدارة البطولات بأعلى درجات الاحتراف.
كما شهدت البطولة مبادرة أخرى لا تقل أهمية، تمثلت في التدريب على مكافحة المنشطات، وهي قضية محورية في الرياضة الحديثة، وتؤكد حرص القائمين على البطولة على ترسيخ ثقافة النزاهة والشفافية الرياضية، وضمان أن تبقى المنافسات قائمة على العدالة وتكافؤ الفرص.
والحق يقال: لو لم تقدم البطولة العربية في تونس سوى هاتين المبادرتين لكان ذلك كافيًا ليؤكد نجاحها، لأننا لم نأتِ إلى تونس فقط لمتابعة المنافسات، بل خرجنا منها أيضًا بثمار معرفية وتنظيمية مهمة تعزز مستقبل ألعاب القوى العربية.
غير أن الحديث عن التطوير يقودنا إلى مطلب مهم نضعه اليوم على طاولة الاتحاد العربي لألعاب القوى، بقيادة ربان سفينته العميد علي بن إبراهيم الشيخي والأمانة العامة للاتحاد. فنحن – معشر الإعلاميين – شركاء في نجاح أي بطولة، إذ يشكل الإعلام المرآة التي تعكس إنجازاتها وتوصل رسالتها إلى الجماهير.
ومن هنا فإننا نأمل أن تشمل المبادرات التطويرية المقبلة الإعلام الرياضي أيضًا، من خلال تنظيم ورشة تدريبية إعلامية متخصصة في ألعاب القوى على هامش البطولات العربية المقبلة، بحيث تكتمل أركان المنظومة التطويرية بين الرياضي والحكم والمدرب والإعلامي.
إننا نضع هذا المقترح أمام اتحادنا العربي العتيد، ونقول بثقة: امنحونا الضوء الأخضر، وسنقدم لكم ملفًا متكاملًا ومفصلًا يتضمن رؤية واضحة حول آليات هذه الورشة، وعدد المشاركين فيها، ومستوى المحاضرين والمتحدثين، وكل ما يتعلق بتنظيمها، بما يسهم في تطوير العمل الإعلامي المتخصص في ألعاب القوى.
وفي الختام، تبقى تونس الخضراء مثالًا حيًا على أن البطولات الناجحة ليست مجرد منافسات عابرة، بل مناسبات تصنع المعرفة، وتبني الإنسان، وتعزز جسور التعاون العربي.
تحية لرجال تونس على هذه المبادرات، وتحية لكل من يعمل من أجل أن تبقى ألعاب القوى العربية في مضمار التقدم والتميز، وتحية للقائمين على الاتحاد العربي لألعاب القوى؛ مجلس إدارة، وأمانة عامة، ولجان عاملة، على عملهم الدؤوب لما يصب في مصلحة اللعبة من المحيط إلى الخليج ، هذا علمي، وسلامتكم.




