يُعد المثل الشعبي القائل (ما يصح إلا الصحيح) أحد أركان الفلسفة الاجتماعية التي تؤمن بحتمية انتصار الحق والمنطق في نهاية المطاف. فهو يحمل في طياته دلالة رمزية عميقة تشير إلى أن الزيف، مهما تجمّل وتدثر بأردية الباطل، يظل كياناً هشاً لا يصمد أمام اختبارات الزمن والواقع. فالحقيقة في جوهرها تمتلك ثباتاً أصيلاً يجعلها المرجعية الوحيدة التي تستقر عليها الأمور بعد اضطرابها، تماماً كما تترسب الشوائب في قاع الإناء ويبقى الماء الصافي في أعلاه. وهذا المثل يرمز إلى صراع الإنسان مع المتغيرات الزائفة والمحاولات العبثية للالتفاف على السنن الكونية أو القوانين الأخلاقية، حيث يظن البعض أن الوصول إلى النتائج عبر طرق ملتوية قد يدوم، لكن رمزية المثل تؤكد أن أي بناء يفتقر إلى الأساس السليم مآله الانهيار.
وقد جسّد القرآن الكريم هذه الحقيقة الكونية في قوله تعالى: ﴿فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض﴾. إن هذا التشبيه الإلهي يعزز فكرة أن البقاء للأصلح والأنفع والأكثر صدقاً. ففي عالم التجارة والمال مثلاً، قد يربح الغشاش لفترة قصيرة مستخدماً أساليب الخداع والتدليس، لكن مع مرور الوقت ينفض الناس من حوله، ولا يبقى في السوق إلا التاجر الصدوق الذي بنى سمعته على الجودة والأمانة والوفاء بالعهود. وفي مجال العلاقات الإنسانية والاجتماعية، قد ينجح التملق والرياء في كسب القلوب مؤقتاً أو الوصول إلى غايات آنية، إلا أن المواقف الصعبة والأزمات تعمل كالغربال الذي يسقط كل ما هو زائف، فلا تدوم في النهاية إلا الصداقة المبنية على الصدق والمودة الخالصة. وهذا يتسق مع قوله تعالى: ﴿ليميز الله الخبيث من الطيب﴾. وحتى في مسارات العلم والبحث والعمل المهني، نجد أن الحلول المؤقتة والاجتهادات السطحية تتلاشى عند أول تحدٍ حقيقي، ولا يثبت إلا العلم الراسخ والعمل المتقن الذي أُسس على قواعد متينة.
إن هذا المثل يمثل دعوة صريحة للتمسك بالقيم الثابتة وعدم الانجرار وراء السراب أو الوعود البراقة الكاذبة، مؤكداً أن وجه الحقيقة قد يغيب خلف ضباب التزييف طويلاً، لكن الضباب ينجلي دائماً وتبقى الحقيقة وحدها ساطعة كالشمس في رابعة النهار، لأن الوجود لا يقبل في ديمومته إلا ما كان حقاً وصدقاً. وقد أكدت السنة النبوية المطهرة هذا المعنى في قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة). فالصدق هو جوهر "الصحيح" الذي لا يقبل الكون بديلاً عنه، بينما يظل الكذب والزيف طريقاً مسدوداً لا يفضي إلا إلى الهلاك والاندثار وضياع الأثر. فالأيام كفيلة بكشف المستور وإعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي مهما طال الأمد، فالحق أبلج والباطل لجلج، وفي نهاية كل صراع بين الوهم والواقع يثبت لنا بالدليل القاطع والبرهان الساطع أنه فعلاً ما يصح إلا الصحيح.
القاطع والبرهان الساطع أنه فعلاً ما يصح إلا الصحيح.




