لجأتُ إلى صلاة الاستخارة… لم يكن القرار بسيطاً كما كنت أظن، ولم تكن مشاعري واضحة بما يكفي لأحسم أمري بعقلي وحده، فكنت أهرب إلى السجادة… إلى ذلك المكان الذي لا أحتاج فيه إلى تبرير ولا شرح.
في كل ليلة… وبعد أن يهدأ كل شيء من حولي… أرفع يدي، وأدعو الله بصوتٍ خافت، كأنني أخشى أن يسمعني أحد:
إن كان في ارتباطي بـ “عادل” خيرٌ لي في ديني ودنياي فيسره لي، وإن كان فيه شر فاصرفه عني واصرفني عنه، وارضني بما قسمت.
لم تكن الاستخارة مجرد دعاء… كانت حالة أعيشها… مراقبة مستمرة لكل إشارة، لكل شعور، لكل تفصيلة صغيرة تحدث حولي وكأنني أبحث فيها عن جواب.
لكن الإجابة لم تأتِ كما توقعت… لم تكن على شكل حدث واضح… بل جاءت على هيئة اختبار.
مرض عمي “عبد الله” — أصغر أعمامي وأقربهم إلى قلبي — بشكل مفاجئ، وفي مدينة بعيدة عنا، استدعت حالته البقاء في المستشفى عدة أيام. كان رجلاً بسيطاً، محباً، ولم يكن لديه من أبنائه من يستطيع تحمّل مسؤولية مرافقته.
دون تردد… قرر والدي السفر إليه.
أذكر جيداً تلك اللحظة… كان يجمع أغراضه بسرعة، وملامحه تحمل قلقاً حاول أن يخفيه، وأوصانا قبل مغادرته بعبارات مختصرة، لكنها كانت كفيلة أن تترك فينا شعوراً بالفراغ بعد خروجه.
بخروج والدي… تغيّر إيقاع البيت.
لم يكن غيابه مجرد غياب شخص… بل غياب سلطة… حضور… توازن.
وفي هذا الفراغ تحديداً… عاد “عادل”.
ليس بطرق مباشرة… بل برسالة بسيطة… ثم أخرى… ثم أصبح الحديث يومياً، أطول مما كان في السابق، وأكثر عمقاً، وكأن المسافة التي فرضتها الظروف قرّبتنا بشكل غريب.
كنا نتحدث عن كل شيء… عن يومي، عن المستشفى، عن خوفي على عمي، عن دراستي… وعن أشياء لم أكن أشاركها بسهولة.
إلى أن جاء ذلك الطلب…
قال لي إنه اشترى لي هدية.
توقفت عند هذه الجملة كثيراً… لم أعتد أن يكون بيننا هذا النوع من التفاصيل… لكنه أكمل حديثه بأنه كان ينوي إرسالها مع مندوب، ثم قال فجأة:
“لكن بما أن والدك مسافر… أريد أن أحضرها بنفسي.”
شعرت وكأنني أُسحَب إلى منطقة لم أكن مستعدة لها.
رفضت فوراً.
بشكل قاطع.
لكن إلحاحه هذه المرة كان مختلفاً… لم يكن مزاحاً ولا محاولة عابرة، بل كان يتحدث بثقة… بإصرار… وكأنه يرى في هذا اللقاء خطوة ضرورية.
بعد تردد طويل… وافقت.
لكن بشروط واضحة:
أن يضع الهدية عند الباب… دون أن يراني… ودون أن يحدث أي تواصل مباشر.
وافق فوراً… وكأنه كان ينتظر فقط هذه الموافقة.
في اليوم المحدد… كان قلبي يسبق الوقت.
كل دقيقة تمر كانت ثقيلة… وكل صوت خارج المنزل كنت أظنه قد وصل.
حتى جاء ذلك الصوت… طرق خفيف على الباب.
وقفت خلفه… يدي على المقبض… أتردد.
فتحت الباب بقدر بسيط… بالكاد يسمح لي برؤيته… للمرة الأولى.
لم يكن كما تخيلته… ولا مختلفاً تماماً… كان فقط… واقعاً.
وضع الهدية بهدوء… لكنه لم يتحرك.
كان ينتظر.
لا أعلم لماذا… لكنني قلت له بصوت خافت:
“انتظر لحظة…”
أغلقت الباب بسرعة… وكأنني ارتكبت خطأً لا يمكن التراجع عنه… دخلت إلى الداخل، أحضرت شيئاً بسيطاً من الضيافة… أحاول أن أبرر لنفسي هذا التصرف… أنه مجرد ذوق… لا أكثر.
لكن حين عدت…
كان قد دخل إلى فناء المنزل.
تجمّدت.
لم يكن هذا ضمن الاتفاق.
وقبل أن أستوعب الموقف… سُمِع صوت الباب الداخلي يُفتح.
دخل أخي.
نظرة واحدة كانت كفيلة بإشعال كل شيء.
نظر إليه… ثم إليّ… ثم عاد إليه بسرعة.
لم يحتج إلى تفسير.
ركض “عادل”…
وركض أخي خلفه.
تحولت اللحظة إلى فوضى حقيقية… صراخ… خطوات متسارعة… ارتباك لا يوصف.
اتصل أخي بعمي “أمجد” وهو يلاحقه، حضر بسرعة، ومعه بعض الرجال… وتمكنوا من الإمساك به قبل أن يبتعد.
تم تسليمه للشرطة.
وأنا…
كنت أقف في مكاني… كأنني خرجت من جسدي… أراقب كل شيء من بعيد.
في مركز الشرطة… تكشفت الحقيقة.
لم يعد “عادل” مجرد اسم في محادثة… بل أصبح موقفاً… قضية… وواقعاً لا يمكن إنكاره.
بعد التحقيق… وبعد أن توضّحت الصورة… تنازل عمي عن الشكوى.
لكن الأهم لم يكن التنازل…
بل ما قاله له بعد خروجه:
“إذا كنت صادق… الباب ما زال مفتوح… لكن تعال بالطريق الصحيح.”
كانت تلك الجملة… كأنها إعادة ضبط لكل شيء.
تم ترتيب زيارة رسمية في منزل عمي “عبد الأمير” هذه المرة… بديلاً عن بيتنا بسبب غياب والدي، دون إخباره بما حدث… وكأن الجميع قرر أن يعطي لهذه القصة فرصة أخيرة… ولكن بشروطهم.
وهنا…
حدث ما لم أتوقعه أبداً.
جدتي.
المرأة التي عُرفت بهدوئها… انعزالها… وبعدها عن التدخل…
تحدثت.
ولم يكن حديثاً عادياً… بل كان قراراً.
بصوت ثابت… ورأي واضح… وكأنها كانت تراقب كل شيء من بعيد… ثم اختارت اللحظة المناسبة لتقول كلمتها.
دعمت الموضوع.
بشكل صريح.
تغيّرت الموازين بعدها… خفّت حدّة الرفض… وبدأ النقاش يأخذ منحى مختلفاً.
ومع عودة والدي… كانت الصورة قد تغيرت كثيراً… لم يكن راضياً في البداية… لكنه لم يكن حاسماً كما في السابق.
ومع الوقت… ومع إصرار “عادل” هذه المرة بطريقة صحيحة… ومع تدخل من أثق بهم…
سارت الأمور.
بهدوء… لكن بثبات.
واليوم…
حين أسترجع كل ذلك…
أدرك أن الاستخارة لم تكن لتغيير القدر…
بل لتغيير قلبي… حتى أستقبله.
وأكتب قصتي الآن…
وولدي الأول يستند إلى صدري…
وابنتي الثانية تنمو داخلي بهدوء…
وأبتسم…
لأنني لم أحصل على ما أردت بسهولة…
لكنني حصلت على ما كان مكتوباً لي… في الوقت الصحيح… وبالطريقة التي علّمتني الكثير.
تمت.




