في لحظة تختزل سنوات من الطموح، وتلخص مسيرة من التحديات، تقف الرياض اليوم على موعد مع التاريخ، وهي تستعد لإطلاق النسخة الأولى من الجائزة الكبرى السعودية لألعاب القوى 2026، يومي 15 و16 مايو الجاري، على ملعب جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن، بمشاركة عالمية واسعة تتراوح بين 200 و300 رياضي يمثلون أكثر من 50 دولة، يتنافسون في 31 سباقًا ومسابقة للرجال والسيدات.
هذا الحدث لا يُقرأ كخبر رياضي عابر، بل كتحول مفصلي في مسار الرياضة السعودية، وإعلان واضح بأن "أم الألعاب" دخلت مرحلة جديدة من التمكين والتأثير. فإطلاق هذه الجائزة يعكس الحضور المتنامي للمملكة على الساحة الدولية، ويؤكد أن ما تحقق لم يكن وليد اللحظة، بل نتاج عمل طويل ورؤية طموحة تتقدم بثبات.
وتكتسب البطولة زخمًا إضافيًا بانطلاقها عبر ملتقى الجولة القارية (المستوى البرونزي)، يعقبه تنظيم منافسات جولة التحدي الدولية ضمن منظومة الجولات العالمية المعتمدة من الاتحاد الدولي لألعاب القوى، ما يمنح المشاركين نقاطًا تصنيفية وفرصًا ثمينة للتأهل إلى كبرى البطولات، ويضع الرياض في قلب خارطة المنافسات العالمية.
ولأن ألعاب القوى تُعرف بأنها "أم الألعاب"، فإن استضافة هذا الحدث تمثل نقطة تحول حقيقية، تنقل اللعبة في المملكة إلى آفاق أوسع، وتعزز من فرص الاحتكاك الدولي، وترفع جاهزية البنية التحتية لاستقبال أكبر الأحداث الرياضية.
ويأتي هذا التقدم متناغمًا مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي تسعى إلى ترسيخ مكانة المملكة العربية السعودية كوجهة رياضية عالمية، كما يمهد الطريق لإطلاق مشروع طموح يتمثل في دوري النخبة السعودي لألعاب القوى عام 2027، ليشكل امتدادًا طبيعيًا لمسيرة التطوير والتحديث.
لكن خلف هذا المشهد المشرق، قصة أطول… قصة حلم، فمنذ أكثر من ثلاثة عقود، كان الحلم بسيطًا في ظاهره، عظيمًا في مضمونه أن تستضيف المملكة بطولة عربية بمشاركة (الجنسين) ، وأن تمضي بعدها نحو الآسيوية ثم العالمية ، كان حلمًا يكبر مع كل مشاركة خارجية، ومع كل رحلة كانت الفرق السعودية تشد فيها الرحال إلى مختلف دول العالم، تنافس وتعود، دون أن تحظى بشرف الاستضافة، رغم ما كانت تمتلكه من إمكانيات.
في تلك المرحلة، لم تكن المشكلة في الطموح، بل في التحديات التي فرضت واقعًا مختلفًا. كنا ننافس عربيًا وآسيويًا، خصوصًا في ألعاب القوى، ونحقق حضورًا مشرفًا، لكن كفة المنافسة كانت تميل أحيانًا لصالح الآخرين، لسبب واضح اكتمال منظومتهم بوجود العنصر النسائي، في وقت كان هذا العنصر غائبًا عنا.
ورغم ذلك… لم ينطفئ الحلم ، واليوم، تتغير المعادلة ، التحديات التي كانت تعيق المسيرة تلاشت، والرياضة السعودية تمضي بثقة نحو مستقبل أكثر شمولية. لم يعد الحلم مجرد أمنية تُروى، بل أصبح واقعًا يُبنى، ومشروعًا يُنفذ على أرض الميدان.
ومع بزوغ فجر مشاركة المرأة السعودية في مختلف الألعاب، بدأت الصورة تكتمل، وبدأ ميزان المنافسة يستعيد توازنه. تتشكل اليوم نواة حقيقية للحضور (النسائي) ، نواة تحمل طموحًا كبيرًا، وتعد بمستقبل أكثر إشراقًا، تكون فيه المرأة شريكًا أصيلًا في صناعة الإنجاز، عربيًا وآسيويًا وعالميًا.
هنا… تتجلى قيمة الحدث ، فالجائزة الكبرى ليست مجرد بطولة، بل هي ترجمة حية لحلم تأخر كثيرًا، وها هو اليوم يتحقق على أرض الواقع.
ما كان بالأمس أمنية… أصبح اليوم إنجازًا ، وما كان بعيدًا… بات في متناول اليد ، إنها لحظة فارقة، عنوانها .. السعودية لا تلاحق المجد… بل تصنعه ، هذا علمي وسلامتكم




