( الجزء الثاني )
أغلقتُ باب الثلاجة ببطء، وأنا ما زلت أراقبه من طرف عيني كان يتحرك داخل البيت وكأنه يعيش وحده منذ سنوات… خطواته محفوظة، صامتة، لا تلتفت لأحد. حتى صوته حين أخبرني بمكان الجبن والزيتون بدا كأنه يؤدي واجبًا يوميًا لا أكثر سحب الكرسي وجلس على طرف الطاولة، أشعل المذياع الصغير الموضوع قرب النافذة، فانبعث صوت مذيع يتحدث عن ازدحام الطرقات وأخبار الصباح. شيء عادي جدًا لدرجة أوجعتني.
كيف يمكن للحياة أن تبدو طبيعية هكذا… بينما أنا أشعر أنني غريبة حتى عن نفسي؟
وضعتُ الخبز على الطبق، ثم جلست مقابله بحذر، للحظات… لم نتحدث وكان يطالع الجريدة القديمة الموضوعة بجانبه، وأنا أراقب أصابعه فقط، يداه خشنتان قليلًا و كأنهما اعتادتا حمل أشياء ثقيلة، أو ربما اعتادتا الحياة أكثر مني. رفعتُ كوب الشاي بهدوء، لكن يدي ارتجفت قليلًا، فاصطدمت الملعقة بحافة الكوب.
حينها رنّ الصوت صغيرًا… لكنه كسر الصمت كله ، رفع عينيه نحوي مباشرة لأول مرة منذ ليلة الأمس تجمّدتُ في مكاني أما هو فاكتفى بنظرة قصيرة، ثم قال بهدوء:
“إذا مش مرتاحة… تقدرين ترتاحين اليوم. ما يحتاج تسوين شيء.”
كانت جملة عادية جدًا لكنني لم أعتد العادية في حياتي السابقة كل شيء كان يُقال بثمن كل كلمة تحمل خلفها طلبًا أو غضبًا أو ملاحظة مخفية أما أمين فكان يقول الأشياء وكأنه لا ينتظر شيئًا بالمقابل هذا أخافني أكثر خفضتُ نظري سريعًا وهمست:
“لا… عادي.”
عاد لصمته مرة أخرى لكن الغريب أن صمته هذه المرة لم يكن قاسيًا كما ظننته أول ليلة كان يشبه رجلًا لا يعرف كيف يقترب لا رجلًا يريد الأذى، وبينما كنت غارقة في أفكاري، سُمع طرق خفيف على الباب الخارجي نهض أمين فورًا فتح الباب، فظهر صوت امرأة من الخارج تقول بلهجة ودودة:
“صباح الخير يا أمين… قلت أمرّ أسلّم على العروس.”
تشنج جسدي تلقائيًا أما هو التفت نحوي للحظة قصيرة قبل أن يبتعد عن الباب قليلًا، وكأنه يمنحني حرية الاختيار إن كنت أريد الخروج أو الاختباء.
تجمّدتُ للحظة… قبل أن أسمع الصوت جيدًا.
“أحلام؟ افتحي يا قلبي أنا إلهام.” وكأن شيئًا داخلي عاد للحياة فجأة أسرعتُ نحو الباب، وما إن فتحه أمين بالكامل حتى دخلت إلهام بوجهها المشرق المعتاد، وخلفها الكوافيرة تحمل حقيبة كبيرة تفوح منها رائحة البخاخات والعطور وأدوات الزينة ابتسمت إلهام فور أن رأتني، ثم اقتربت تحتضنني بحنان خفيف وهي تقول:
“يلا بسرعة… ما عندنا وقت كثير.”
كنت قد نسيت تمامًا أمر عشاء الليلة الأولى تلك العادة التي لا تكاد تخلو منها أغلب الزيجات في مجتمعنا حين تُقام مأدبة عشاء للعروسين في بيت أهل العريس، بعد أول ليلة من الزواج، وكأن العائلتين تحاولان تثبيت المودة علنًا أمام الجميع كانت أمي دائمًا تقول إن تلك الليلة “تفتح أبواب القلوب” بين العائلتين أما أنا فلم أفهم يومًا لماذا تُقاس البدايات بكل هذا الترتيب الرسمي.
الهدايا التي تُقدَّم لوالدة العريس، ووالده، والجدات، والخالات الابتسامات المتكلّفة نظرات التقييم الصامتة والعروس التي تُزف مرة أخرى، لكن هذه المرة وسط عيون تراقب تفاصيلها بدقة ربما كانت الفكرة كما يقولون عربون محبة أو بداية ود، لكنني في داخلي كنت أشعر أنها اختبار غير معلن على العروس أن تنجح فيه دون أن تخطئ، جلستُ أمام المرآة بينما بدأت الكوافيرة تخرج أدواتها بهدوء، في حين كانت إلهام تتحرك في الغرفة بعفويتها المعتادة، ترتب الفستان، وتفتح علب الهدايا، وتراجع الأسماء وكأنها تخشى أن ننسى أحدًا من أهل أمين أما أنا فكنت أنظر لانعكاسي في المرآة بصمت أراقب ملامحي التي بالكاد عرفتها خلال اليومين الماضيين كنت أبدو جميلة لكن الجمال أحيانًا لا يشبه الطمأنينة أبدًا.
انتهينا أخيرًا بعد ساعات بدت أطول من حقيقتها كانت الكوافيرة تقف خلفي تعدّل آخر التفاصيل الصغيرة في شعري، تثبّت خصلاته بعناية، ثم تتراجع كل مرة لتتأمل النتيجة برضا وكأنها تنهي لوحة أخيرة قبل عرضها أما إلهام فكانت تدور حولي بحماس لا يهدأ مرة ترتب طرف الفستان ومرة تبحث عن الحقيبة ومرة تعيد تثبيت القرط رغم أنه لم يتحرك أصلًا ضحكت الكوافيرة وهي تقول:
“أختك متوترة أكثر منك.”
ابتسمت إلهام سريعًا وقالت:
“أكيد… هذي أختي الوحيدة.”
تعلقت عيناي بالمرآة للحظة طويلة ثم وقفت ببطء كان الفستان أبيض لكنه لم يكن ذلك البياض الصاخب المعتاد في فساتين الأعراس بل هادئًا أنيقًا بطريقة ناعمة تشبهني أكثر ينسدل بخفة حول جسدي، وتتناثر عليه ورود أوركيد قماشية صغيرة زادت الفستان رقيًا، وكأنها لمسة أخيرة نقلته من مجرد فستان جميل إلى شيء يحمل روحًا كاملة. حتى أنا شعرت للحظة أنني أبدو مختلفة أكثر هدوءًا، أكثر نضجًا، وأقل خوفًا ربما. خرجتُ من الغرفة أخيرًا وكان أمين يجلس في الصالة بهدوئه المعتاد التلفاز يعمل بصوت منخفض، بينما أمامه فنجان قهوة أعدّته له إلهام، وبجانبه قطعة صغيرة من كعكة العروسين التي أصرت أختي على إحضارها معنا “حتى ما تنتهي الليلة بدون طعم حلو” كما قالت. رفع نظره نحوي فور أن شعر بحركتي ولثانية قصيرة جدًا ساد الصمت لم يقل شيئًا لكن نظرته توقفت عليّ أطول من أي مرة سابقة وكأن ملامحي هذه المرة أربكته قليلًا، أما أنا فشعرت بقلبي يرتبك بطريقة غريبة تحت تلك النظرة الهادئة. نهض ببطء، ثم عدّل شماغه دون أن يبعد عينيه عني تمامًا، بينما ابتسمت إلهام بانتصار واضح وهي تهمس قرب أذني:
“شفتي؟ حتى هو انصدم.”
ارتديتُ عباءتي السوداء ببطء، تلك العباءة التي كانت أمي تحتفظ بها للمناسبات الكبيرة فقط. كانت مرصعة بقطع كريستال سوداء وبيضاء تلمع بهدوء مع كل حركة، دون مبالغة، وكأنها صُممت لتمنح حضورًا صامتًا لا يحتاج إلى لفت الانتباه.
وقفت الكوافيرة تجمع أدواتها داخل الحقيبة الكبيرة، بينما بدأت إلهام ترتب صناديق الهدايا بعناية، تتأكد من الأسماء مرة أخيرة قبل أن تعطيها لأمين، أخذها منها بهدوء، ثم حملها إلى السيارة دون تعليق، وكأنه اعتاد منذ البداية أن يتحمل الأشياء الثقيلة بصمت، وبعد دقائق كنا في الطريق، أوصلنا الكوافيرة إلى منزلها أولًا، ثم أكملنا السير وسط شوارع الليل التي كانت مزدحمة على غير العادة، كنت أراقب الأضواء من نافذة السيارة بصمت، بينما إلهام تتحدث طوال الطريق عن التفاصيل الصغيرة التي نسيتها، ومن حضر، ومن لم يحضر، ومن المتوقع أن يبدأ بالنقد منذ اللحظة الأولى. أما أمين فكان يقود بهدوئه المعتاد يدٌ على المقود والأخرى تستند قرب النافذة وكأن كل الضجيج حوله لا يعنيه وعند اقترابنا من منزل أهله، كانت السيارات مصطفّة على الجانبين، والإنارة تملأ المكان بشكل دافئ يوحي بأن الليلة أكبر من مجرد عشاء عائلي. هناك التقينا بأمي وفرح، وأماني، وأنغام زوجة أخي، ومعها شقيقتها ميسم.
تجمعنا جميعًا عند الباب الخارجي كما جرت العادة، حتى ندخل سويًا باستقبال واحد يليق بالعروس وأهلها، لحظة الوقوف تلك كانت دائمًا غريبة بالنسبة لي ابتسامات متوترة، تعديلات سريعة على العباءات وهمسات قصيرة قبل الدخول وكأن الجميع يستعد لمشهد محفوظ يعرف أدواره مسبقًا ثم فُتح الباب أخيرًا ودخلنا.
استقبلتنا رائحة العود أولًا ثم الأصوات و الزغاريد ثم الوجوه الكثيرة وكانت السيدة سارة في مقدمة المستقبلات بابتسامتها الهادئة وهي تقترب مني بحفاوة واضحة، وخلفها بناتها، أخوات أمين، ثم أختاها هناء وانشراح، وإلى جوارهن جلست والدتها، الجدة ماجدة، بهيبتها التي جعلت المكان كله يبدو أكثر وقارًا تقدمت نحوي السيدة سارة تحتضنني قائلة:
“نوّرتِ البيت يا بنتي.”
أما الجدة ماجدة فاكتفت بنظرة طويلة نحوي قبل أن تبتسم ابتسامة صغيرة بالكاد ظهرت، لكنها حملت شيئًا من القبول أو ربما الفضول.
مضت السهرة بهدوء أكثر مما توقعت كان كل شيء يبدو مرتبًا بعناية؛ الضيافة، الأحاديث، حتى أماكن الجلوس وكأنها أُعدّت مسبقًا لتمنح الجميع شعورًا بالألفة تسامرنا طويلًا تنقلت الأحاديث بين وصفات الطبخ، والزواجات القديمة، ومواقف السفر، وحكايات الأقارب التي لا تنتهي في أي مجلس نسائي تبادلنا الضحكات أحيانًا، والمجاملات أحيانًا أخرى، حتى بدأت أشعر أن توتري الأول خفّ قليلًا. لكن وسط كل ذلك، كان هناك شيء غريب يتسلل إلى داخلي بهدوء شيء لم أستطع فهمه وقتها بعض الكلمات التي كانت تُقال بدت مختلفة عن البيئة التي نشأت فيها أنا وأمي وأخواتي طريقة الحديث الجرأة في بعض المواضيع والتعليقات التي تُقال بخفة وكأنها عادية جدًا، بينما كنا نحن نتبادل النظرات بصمت دون أن نعلّق لم يكن الأمر صادمًا تمامًا لكنه لم يكن مألوفًا أيضًا. كنت أشعر وكأنني أراقب عائلة تتحرك بقواعد مختلفة قليلًا عن القواعد التي عرفناها طوال حياتنا.
شيء من الانفتاح الذي بدا أكبر مما اعتدناه، أو ربما نوع من التحرر في الكلام والتفكير لم نكن نفهمه جيدًا في ذلك الوقت حتى أمي رغم حفاظها على ابتسامتها الهادئة طوال السهرة، كنت أعرف نظراتها جيدًا كانت تبتسم بلباقة لكن عينيها تراقبان كل شيء بصمت حذر. أما أخواتي فكنّ يحاولن مجاراة الأحاديث، ثم ينسحبن أحيانًا إلى همسات قصيرة فيما بينهن وكأنهن يسألن السؤال نفسه الذي دار داخلي:
“هل نحن المختلفات… أم هم؟”
ولأن الليالي الأولى بعد الزواج لا تحتمل التوتر، كنا جميعًا نبتلع دهشتنا خلف المجاملة أما أنا فجلست وسطهم أبتسم وأشارك الحديث أحيانًا، بينما داخلي يحاول فهم العائلة التي أصبحت فجأة… عائلتي أيضًا.
بعد انتهاء العشاء، بدأت لحظة تبادل الهدايا بين العائلتين تقدمت أمي بهدوئها المعتاد تقدم الهدايا للسيدة سارة والجدة ماجدة وبقية النساء، وسط عبارات الترحيب والدعوات الجميلة التي تتكرر في مثل تلك الليالي وكأنها طقس محفوظ منذ سنوات طويلة. كان الجميع يبتسم لكنني كنت أشعر أن الليلة كلها تمر بسرعة غريبة، كأنني لم ألحق بعد بفهم ما يحدث حولي وبعد وقت قصير، بدأنا نستعد للخروج. ودّعت النساء واحدة تلو الأخرى، ثم خرجت مع أمين نحو السيارة وحين فتحت الباب لأركب التفتُّ دون شعور كانت سيارة السائق تتحرك ببطء مبتعدة، وفي داخلها أمي وأخواتي رأيت ظلالهن من خلف الزجاج، تلك الوجوه التي عشت عمري كله بينها،
تبتعد الآن لتعود إلى البيت بدوني. ظللت أراقب السيارة حتى اختفت تقريبًا وشعرت وقتها بشيء ينقبض داخلي بصمت.
كأن قلبي… لم يركب مع أمين أصلًا بل رحل معهن أما أمين فلم يتحدث اكتفى بتشغيل السيارة بهدوء، وكأنه فهم أن بعض اللحظات لا تحتاج مواساة، بل تحتاج فقط أن تُترك كما هي.
عدنا إلى المنزل ومضت الليلة بشكل عادي وهادئ.
لا أحداث كبيرة، لا أحاديث طويلة، فقط تعب يوم كامل يثقل أجسادنا وأفكارنا وفي ظهيرة اليوم التالي، استيقظت على رنين هاتفي مددت يدي بتثاقل أبحث عنه، ثم أجبت بصوت ما زال يحمل أثر النوم كانت أماني.
قالت بسرعة وكأنها مستعجلة:
“أحلام، تعالي بيت أهلك قبل العصر… خذي الهدايا اللي باقيه عندنا.”
سألتها باستغراب:
“ليش مستعجلين كذا؟”
ضحكت بخفة وقالت:
“لأننا الليلة مسافرين دبي أسبوع كامل. قلنا نغيّر جو شوي.”
دبي مجرد سماع الاسم جعلني أبتسم دون شعور لطالما كانت الرحلات عندنا حدثًا كبيرًا، يبدأ قبل السفر بأيام وينتهي بحكايات لا تنتهي بعد العودة لكن الغريب أنني شعرت للحظة بغيرة صغيرة لا أعرف سببها ربما لأنهم سيغادرون معًا، بينما أنا بدأت للتو حياة لا أعرف بعد كيف أعيشها.
بعد أسبوع كامل من سفر أمي وأخواتي، رن هاتفي عصر ذلك اليوم كانت فرح صوتها مليء بالحماس المعتاد وهي تقول بسرعة:
“وصلنا البيت أخيرًا… ولازم تجين اليوم بالليل، اشتقنالك”
ابتسمت تلقائيًا وأنا أسمع أصواتهن بالخلفية، وضجيج الحقائب وعودة البيت للحياة من جديد وافقت فورًا ومنذ أغلقت الهاتف وأنا أشعر بشيء خفيف يتحرك داخلي شوق قديم لبيتنا، لتفاصيله، وللنسخة التي كنتها هناك قبل أن تتغير حياتي كلها فجأة. طلبت من أمين ان يوصلني لبيت أهلي بعد ساعة تقريبا كنت هناك، جلستُ بينهم تلك الليلة أستمع لضحكاتهم وحكايات السفر التي لا تنتهي فرح تتحدث بحماس عن الأسواق وأماني تقاطعها لتصحح التفاصيل وأمي تراقبنا جميعًا بابتسامتها الهادئة المعتادة، وكأن البيت عاد حيًّا فقط لأننا اجتمعنا مجددًا.
كنت أبتسم معهم لكن شيئًا داخلي كان مختلفًا لأول مرة أشعر أنني ضيفة في البيت الذي عشت فيه عمري كله حتى مكاني المعتاد على الأرض قرب أمي، جلست فيه هذه المرة بحذر كأنني أخشى أن يبدو تعلقي القديم طفوليًا الآن بعد زواجي ناولتني فرح أكياس الهدايا وهي تضحك:
“شفنا هالشي وقلنا مستحيل ما يعجب أحلام.”
فتحتها وأنا أحاول أن أبدو متحمسة مثل السابق عطور وشال ناعم بلون هادئ وأشياء صغيرة يعرفون تمامًا أنها تشبهني، شكرتهم بابتسامة صادقة هذه المرة لأنني أدركت فجأة أن بعض الحب لا يتغير حتى لو تغيّرت الحياة كلها. وبعد قليل، بدأ الحديث يتحول نحوي سألتني أمي بهدوء:
“كيفك مع أمين؟ مرتاحة؟”
رفعت رأسي بسرعة وكأن السؤال أيقظني من شرود طويل أجبت مباشرة:
“الحمد لله… كويس.”
ثم بدأت أخبرهم ببعض التفاصيل الصغيرة عن أيامنا عن زيارات أهل أمين الكثيرة وعن رزان التي أصبحت ترافقنا في كل مشوار تقريبًا حتى إنها نامت عندنا أكثر من مرة ضحكت أماني فورًا وقالت بمزاح:
“واضح ما عطوكم شهر عسل أصلًا.”
ضحكت معهن لكن ضحكتي خرجت أخف مما توقعت لأن الحقيقة أن كلامها كان قريبًا جدًا مما أشعر به لم تكن هناك مشكلة حقيقية مع أمين لكنه أيضًا لم يكن قريبًا مني بالشكل الذي تخيلته دائمًا عن الزواج كان هادئًا أكثر من اللازم منشغلًا غالبًا مع عائلته وكأننا ما زلنا نحاول فهم الطريقة الصحيحة للعيش تحت سقف واحد وحين انتبهت أمي لشرودي، قالت بهدوء يشبه الطمأنينة:
“البدايات كلها تحتاج وقت يا أحلام… لا تستعجلين على المشاعر.”
نظرت إليها طويلًا ودائمًا كانت أمي تعرف الجملة التي أحتاج سماعها حتى قبل أن أعترف بما في داخلي وبعد ساعات رن هاتفي كان أمين.
“خلصتي؟” أجبته بهدوء:
“إيه.”
أمين: “طيب أنا قريب… انزلي.”
أغلقت الهاتف ثم وقفت أرتدي عباءتي ببطء وقبل أن أخرج استوقفتني أمي بهدوء:
“أحلام… تعالي معي شوي.”
تبعتها إلى غرفتها ثم فتحت درج الكومودينة وأخرجت ظرفًا صغيرًا وضعته بيدي نظرت لها باستغراب:
“وش هذا؟”
قالت وهي تغلق يدي على الظرف بلطف:
“خذيها… لك ولأمين. سافروا كم يوم وانبسطوا لحالكم.”
ابتسمت بخجل خفيف وقلت بسرعة:
“يمّه ما يحتاج…”
قاطعتني فورًا بنظرتها الحانية المعتادة:
“يحتاج يا أحلام. الزواج مو بس مسؤوليات وناس وزيارات… تحتاجون وقت لكم أنتم الاثنين.”
سكتُّ للحظة وشعرت بشيء دافئ يضغط قلبي ثم عانقتها بصمت عانقت بعدها أخواتي، وشعرت للحظة برغبة طفولية أن أقول:
“أبغى أجلس أكثر.”
لكنني لم أقل شيئًا خرجت فقط وكان هو ينتظرني خارج البيت بسيارته، يراقب الباب بصمت كعادته.
يتبع ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شاركنا قصتك على البريد الإلكتروني أو الوتساب الخاصين بالزاوية
0559205879




