تستقبل العائلات الجزائرية الحجّ بوصفه ملحمةً روحية واجتماعية تتعانق فيها قداسة الشعيرية الدينية مع عمق العادات والتقاليد الأصيلة الراسخة في المجتمع الجزائري، حيث تغدو رحلة الحاجّ حدثًا جماعيًا تنبض به البيوت والأحياء والمدن، وتتشاطر تفاصيله القلوب،فمنذ الإعلان عن موعد السفر، تبدأ ملامح العادات الجزائرية الخاصة بالحجّ،من اقتناء الملابس البيضاء الخاصة بهذه المناسبة والحرص على توفير كل ما يحتاجه الحاج في رحلته، كما تفتح الأبوابٌ لاستقبال المودّعين وسط مجالس عامرة بالدعاء والذكر، ووجوه يختلط فيها الفرح بخشوع اللحظة، فيما تتأرجح الأرواح بين بهجة بلوغ البقاع المقدسة وهيبة الرحيل نحو أطهر بقاع الأرض.
كما يحرص الحاجّ الجزائري، قبيل شدّ الرحال، على زيارة الأقارب والجيران وطلب الصفح ممّن عرفهم، في مشهدٍ تختزل تفاصيله قيم التسامح وصلة الرحم التي تجذّرت في الوجدان الجزائري عبر الأجيال. كما تُقام الولائم العائلية وتُتلى الأدعية والابتهالات، بينما تتعالى الأمنيات بأن يعود الحاجّ مغمورًا بالقبول والمغفرة.
وفي كثير من المدن والقرى الجزائرية، تتحوّل لحظة التوديع إلى لوحة إنسانية جميلة بالزغاريد التي تملأ سكون المكان، والدموع التي تخفيها الابتسامات، وخلال فترة أداء المناسك، يبقى الحاجّ حاضرًا في الوجدان تتردّد أخباره في المجالس، وتُرفع له الدعوات عقب الصلوات، كما يحرص الجزائريون على متابعة مناسك الحجّ عبر الشاشات، فيعيشون مشاهد الوقوف بعرفة والطواف والسعي بقلوبٍ خاشعة، كأنّ الأرواح تُحلّق مع الحجيج في رحاب البقاع المقدسة.
أمّا لحظة العودة، فهي من أكثر المشاهد دفئًا وبهجةً في الذاكرة الجزائرية حيث ينتظره الأهل والأحباب في المطار وسط الزغاريد وأجراس السيارات في مشهد أشبه بحفلات الزفاف وتتزيّن البيوت احتفاءً بقدومه فيما يتصدّر التمر والحليب موائد الاستقبال، ويقبل الأقارب والجيران لتقديم التهاني بسلامة العودة وإتمام المناسك.
ويحمل الحاجّ معه هدايا رمزية مشبعة بعبق الروحانية، كماء زمزم، والمسابح، والمصاحف، والعطور والتمور فتتحوّل تلك التذكارات البسيطة إلى رسائل محبةٍ وحنين، تحفظ أثر الرحلة في القلوب قبل البيوت، كما تحضّر أطباق الكسكسي و الشخشوخة باللحم والكعك والحلويات لاستقبال الضيوف المهنئين.
ورغم تغيّر الأزمنة، ما تزال عادات الحجّ في الجزائر محافظةً على جوهرها الأصيل،إذ تبقى الرحلة المقدسة مناسبةً تتجلّى فيها معاني الصفاء والتسامح وصلة الرحم، وتتعزّز من خلالها روابط المجتمع وقيمه الروحية والإنسانية.إنّها طقوس لا تختصرها الكلمات، بل تسكن الذاكرة الجماعية للجزائريين، حيث يمتزج عبق الإيمان بأصالة العادات، ليظلّ الحجّ في الجزائر أكثر من رحلةٍ إلى البقاع المقدس، إنّه حكاية شعبٍ يودّع بالدعاء، ويستقبل بالمحبّة، ويؤمن بأنّ الطريق إلى الله يبدأ من نقاء القلوب وصفاء الأرواح.
بقلم - نورية شيباني

الحج في الجزائر… حين تمتزج قداسة الشعيرة بعراقة التقاليد
وصلة دائمة لهذا المحتوى : https://shahdnow.sa/articles/343062/



