كان الإعلام يوماً مهنة تُشبه السير فوق حبل مشدود تحتاج توازناً وثقافة وخبرة واحتراماً لعقل الناس. لم يكن أحد يقترب من الميكروفون إلا بعد سنوات من القراءة والتعب والاحتكاك بالحياة. أما اليوم فقد صار بعضهم يدخل المجال كما يدخل مقهى إنترنت ضغطة زر وصورة مناسبة و قليل من الثقة المبالغ فيها
وفجأة يظهر لك “إعلامي بارز” أو “كاتب رأي” أو “محاور استثنائي” لا تعرف من أين هبط علينا
المشهد بات مضحكاً حدّ الدهشة. أعلى شهادة حصل عليها صف خامس ابتدائي وبالكاد يكمل سطرا بلا أخطاء إملائية شخص لم يقرأ كتاباً كاملاً في حياته لكنه يكتب مقالاً عن “أزمة الوعي الحضاري”! وآخر بالكاد يفرّق بين السؤال والحوار لكنه يجلس ممسكاً بالمايك وكأنه النسخة المفقودة من عمالقة الإعلام أما ثالثهم فهو يدخل اللقاء وهو لا يعرف اسم ضيفه أصلاً، ويشعل الحوار بسؤال تاريخي من نوع: “حدثنا عن بداياتك… وكيف ترى المستقبل؟” سؤال يصلح لكل البشر، من لاعب كرة إلى خبير نووي!
والأعجب من ذلك، تلك الفئة التي اكتشفت فجأة “الكتابة السريعة”. يطلب مقالاً كاملاً من الذكاء الاصطناعي يبدّل بعض الكلمات، ثم ينشره مزهواً وكأنه قضى الليل بين الكتب والمراجع وكوب قهوته يا للعظمة! كاتب لا يكتب، ومحلل لا يحلل، ومحاور لا يحاور… ومع ذلك يطالب الناس بالتصفيق له باعتباره “صوت المرحلة”!
لم تعد المشكلة في استخدام الأدوات الحديثة، فالتقنية وُجدت لتساعد الإنسان، لكن الكارثة حين تصبح بديلاً عن العقل نفسه. بعضهم اليوم لا يملك رأياً شخصياً حتى في عدد فناجين القهوة التي يشربها صباحاً، لكنه مستعد لكتابة مقالات عن السياسة والاقتصاد والفلسفة والوعي الجمعي… بمساعدة زر “نسخ ولصق” وبعض الحركات الاستعراضية.
أما الذين يمسكون المايك، فحدّث ولا حرج. هناك من يتعامل مع المقابلة وكأنها تحقيق بوليسي، وآخر كأنها جلسة دردشة في استراحة بلهجة أشببه (للشوا رعية) وثالث مهرج على مسرح يقاطع ضيفه أكثر مما يتنفس حتى تشعر أن الضيف حضر فقط ليشاهد المذيع وهو معجب بنفسه على الهواء مباشرة
في السابق، كان الإعلامي يحاول أن يبدو مثقفاً لأنه بالفعل مثقف. أما الآن، فبعضهم يظن أن ارتداء ثوب أنيق وهو سابقا لا يعرف سوى بدلة الدوام في استلاماته اليومية ويجيد تحريك اليدين أثناء الكلام وهما قد يكونا كافيان لإقناع الناس بالعبقرية. والأسوأ أن هذا الضجيج يصنع حول نفسه هالة وهمية ومتابعين لا يفرقون بين الإعلام والإعلان فيصدّق المتسلق أنه أصبح مفكراً لمجرد أن مقطعاً له انتشر لساعات في مواقع التواصل.
ومع كل هذا العبث تبقى الحقيقة ثابتة الإعلام لا يحترم الادعاء طويلاً. قد يصعد البعض بسرعة المصعد، لكنهم يسقطون بالسرعة نفسها حين ينكشف خواء المحتوى. فالجمهور، مهما انشغل بالضجيج، يميز في النهاية بين صاحب الفكرة وصاحب “المؤثرات الصوتية”.
الإعلام الحقيقي ليس مجرد شخص يحمل (مايكاً)، ولا كاتباً يجيد النسخ، ولا محاوراً يحفظ سؤالين ويكررها على الجميع. الإعلام الحقيقي عقل قبل أن يكون صوتاً، ورسالة قبل أن يكون شهرة، واحترام للناس قبل أن يكون بحثاً عن الأضواء.
أما المتسلقون فهؤلاء مجرد عابرين في زمن السرعة؛ يلمعون قليلاً، يملؤون الدنيا صخباً، ثم يختفون حين يبدأ الناس بالسؤال البسيط الذي يخيفهم دائماً:
وماذا بعد كل هذا !!




