( الجزء الأول )
حياتنا ليست مجرد أيام متتالية…
بل مراحل نُدفَع إليها دون أن نختار توقيتها، وكأننا نسير في دهاليز طويلة، نفتح أبواباً لا نعرف ما خلفها، ومع ذلك… ندخل. ليس بدافع الفضول… بل لأن هناك شيئاً أقوى منا…شيء يشبه القَدر… يقودنا دائماً إلى حيث يجب أن نكون… لا حيث نريد.
كان يوم الإثنين…إجازة نهاية العام الدراسي كانت قد بدأت منذ قرابة شهر، وأيامنا أصبحت متشابهة بشكلٍ ممل، لكنها مريحة… خالية من أي توتر أو مفاجآت. في ذلك الصباح، خرج والدي كعادته إلى عمله، تاركاً خلفه روتيناً اعتدنا عليه، بينما بقينا أنا وإخوتي في غرفة المعيشة، نلتف حول التلفاز، نتناوب على اللعب بـ “كمبيوتر العائلة”… ذلك الجهاز الذي كان بالنسبة لنا عالماً كاملاً، نهرب إليه من فراغ الأيام الطويلة.
كانت أصواتنا تعلو بالضحك والمنافسة…كل شيء كان عادياً…إلى أن رنّ هاتف المنزل. ذلك الصوت… كان مختلفاً في وقته… في حدّته… وكأنه يحمل شيئاً لم نكن مستعدين له. تقدمت أمي بخطوات هادئة، رفعت السماعة، وأجابت. في البداية… كانت ملامحها عادية. ثم… تغيّرت. لم نفهم الكلمات التي كانت تُقال في الطرف الآخر، لكننا فهمنا جيداً أن هناك شيئاً ليس على ما يرام. كان صوت والدي. يعتذر… يقول إنه لن يعود إلى المنزل اليوم. فموعده في المحكمة لم تكن نتائجه كما توقع… ومن المحتمل يتم حجزه ليوم أو يومين على ذمة التحقيق. قالها بسرعة… وكأنه لا يريد أن يترك مجالاً للأسئلة… ثم أغلق الخط.
بقيت أمي ممسكة بالسماعة لثواني صامتة وكأنها تحاول استيعاب ما سمعت. ثم أعادتها ببطء إلى مكانها دون أن تقول شيئاً. التفتت إلينا نظرت فقط ثم عادت إلى ما كانت تفعله… وكأن شيئاً لم يحدث.
لكن كل شيء… كان قد تغيّر و بعد ساعة تقريباً رنّ هاتف المنزل مرة أخرى. هذه المرة… لم يكن الصوت عادياً.
ردّت أختي التي تكبرني… كانت الأقرب للهاتف، والأسرع دائماً في التعامل مع الأمور التي تبدو “أكبر منّا”. تغيرت نبرة صوتها وهي تقول:
“نعم… معنا.”
ثم سكتت قليلاً…
“تقصد أخ كبير؟”
التفتت نحونا… ثم نادت أخي. أعطته السماعة دون شرح… وكأن الكلمات لم تكن تخرج بسهولة.
أخذ أخي الهاتف، وبمجرد أن بدأ الحديث… تغيّر وجهه.
لم يحتج أن يقول الكثير لكننا فهمنا أن هناك شيئاً أكبر من مجرد تأخر.
قال له المتصل:
إن والدي نُقل إلى المستشفى… إثر جلطة في القلب وأن علينا الحضور فوراً. أنهى المكالمة بسرعة… نظر إلى أمي… ثم قالها. بصوت حاول أن يجعله ثابتاً:
“أبوي في المستشفى.”
لم تصرخ أمي…
لم تسأل…
لم تتردد.
ارتدت عباءتها بسرعة… وكأن جسدها يتحرك دون انتظار استيعاب عقلها، وخرجت مع أخي، واستقلا سيارة أجرة على عجل. أُغلق الباب خلفهما وبقي البيت صامتاً. صمت لم أعرفه من قبل كأن الجدران نفسها تنتظر.
مرت الدقائق ببطء مؤلم كأن الزمن تعمّد أن يثقل علينا. إلى أن عاد الخبر لكن ليس كما خرجوا لأجله. عند وصولهم إلى المستشفى لم يكن هناك وقت لإنقاذ ولا مجال لانتظار و عند و صولهم و استفسارهم باسم والدي أخبرهم موظف الاستقبال بكل برودٍ لا يقصده لكنه كان قاسياً: “البقاء لله.” انتهى كل شيء قبل أن يبدأ. اتصلت أمي بإخوتها وتجمّع الأهل وبدأت مراسم الدفن والعزاء…
كل شيء كان سريعاً متلاحقاً كأن الحزن لا يعطينا فرصة لنفهمه… فقط لنعيشه.
يا لسخرية القدر في الصباح كان يخرج من المنزل مبتسماً تلك الابتسامة التي تحمل حناناً مألوفاً نمرّ عليها دون أن نلتفت. وفي المساء كان مبتسماً أيضاً لكن هذه المرة بطمأنينة مختلفة. ممدداً على نعشه ساكناً كأنه نائم. ذقنه أسود رغم أن الشيب كان قد ملأه في حياته وكأن الموت أعاد له ملامح لم نعد نراها هكذا كان أبي وهذه كانت صورته الأخيرة في ذاكرتي الصورة التي أستدعيها كلما اشتقت إليه لا وهو حي بل وهو مطمئن.
أنا “أحلام” الابنة الصغرى، أو كما يُقال في مجتمعاتنا “آخر العنقود”؛ تلك التي تأتي بعد اكتمال الفصول، فتكون مختلفة في الحضور، محاطة بقدرٍ من الدلال، وشيءٍ من الحماية الزائدة، وكأنها تُترك للحياة متأخرة قليلاً. أسرتي تتكوّن من ثمانية أبناء؛ أربع بنات وأربعة أولاد لكلٍ منا حكايته، ولكلٍ منا طريقه الذي ستُروى لاحقاً في تفاصيل هذه القصة. لكنني الآن لا أحتاج أن أروي الجميع. يكفيني أن أبدأ من نفسي ومن تلك اللحظة التي أشعر دائماً أنها لم تكن مجرد ذكرى بل كانت نقطة التحول الأولى في حياتي لحظة انكسار لا تُنسى مهما مرّ الوقت.
فقدان الأب بالنسبة للبنت ليس حدثاً عادياً هو فراغٌ لا يُرى، لكنه يُشعر في كل تفصيله من الحياة هو غياب السند وارتباك المعنى وبداية فهم مبكر جداً لقسوة الدنيا، وحين يكون الفقد في عمرٍ مبكر يصبح الألم مختلفاً لا يُفسَّر بسهولة ولا يُنسى مع الوقت. كان عمري ثمانية أعوام فقط حين توفي الشيخ “أحمد” والدي. ثماني سنوات لا تكفي لفهم الموت لكنها تكفي تماماً لتشعر به. لم أكن أدرك وقتها معنى أن يعود الإنسان ولا يعود أو أن يغيب جسد ويبقى أثره يملأ المكان. كنت فقط أعيش اللحظة كما هي.
بيتٌ تغيّر فجأة أصواتٌ صارت منخفضة وجوهٌ صارت مشغولة بالحزن أكثر من الكلام وأنا طفلة صغيرة تحاول أن تفهم لماذا كل شيء أصبح مختلفاً دون أن يتغير شيء في الظاهر لكن في الداخل كان كل شيء قد تغيّر.
أمي… "جميلة" كانت هي النور الذي لم ينطفئ في حياتنا. لم تكن مجرد أم بل كانت الامتداد الحقيقي للحياة بعد رحيل أبي نورها لم يكن لحظة عابرة بل حضوراً ثابتاً يرافقنا في كل تفاصيل أيامنا، حنانها كان يشبه الظل في قيظ الصيف؛ لا يُرى كثيراً، لكنه يحتوينا بالكامل حين تشتد حرارة الحياة بعد غياب أبي لم تنكسر كما يتوقع أي طفل بل وقفت وقفة امرأةٍ أدركت أن الانهيار ليس خياراً حين يصبح الآخرون تحت مسؤوليتها كانت درعنا وستارنا والقوة التي نخفي خلفها خوفنا دون أن نشعر. ترسم البسمة على وجوهنا حتى حين لا تجد سبباً حقيقياً للابتسام في داخلها وتوازن بين كفتي الحياة والوالدية كأنها تؤدي أدواراً تفوق طاقتها، لكنها تؤديها بثبات.
في بيتنا كان هناك صوت لا يغيب صوت ماكينة الخياطة لم يكن مجرد جهاز بل إعلاناً يومياً أن الحياة مستمرة.
كانت "جميلة " تخيط ملايات سرير بأشكال متعددة وزخارف دقيقة ثم فساتين أطفال بتصاميم مختلفة، لكل قطعة روحها الخاصة لم تكن خياطة عادية بل صناعة كاملة تُدار بيد واحدة فقط، لم تكن تنتج قطعة أو قطعتين بل كانت تقيم معرضين سنوياً، في الشتاء تنتج أكثر من ثلاثين طقم ملاية سرير تُطلب وتُوزع قبل أن تنتهي، وفي رمضان يتحول البيت إلى ورشة عمل كاملة، تُصنع فيها فساتين العيد للأطفال، بأكثر من ثمانية تصاميم ومقاسات مختلفة، وكأنها مصنع صغير… لكنه بيد امرأة واحدة فقط. كل ذلك حتى تضمن لنا حياة كريمة حتى لا نحتاج لأحد حتى لا نشعر يوماً أننا أيتام بمعنى الحاجة. وبفضل الله ثم فضلها عشنا حياة مستقرة بيت كبير مرتب هادئ في ظاهره رغم ما مرّ به من فقد، كان لدينا ما يكفينا وأكثر طعام جيد، ملابس جميلة، خادمة، سائق، وسيارة فارهة نسافر أحياناً ونرتدي أجمل الثياب في المناسبات، لكن خلف كل ذلك كانت الحقيقة واضحة: أن هذا كله لم يكن ليكون لولا “جميلة” أمي التي لم تسمح للحياة أن تنكسر علينا حتى بعد أن انكسرت هي أولاً.
مرت بنا السنوات وكبرتُ، حفظت القرآن الكريم كاملًا بناءً على رغبة والداي، وكأنه كان السند الذي يُراد له أن يبقى داخلي مهما تبدلت الحياة. وأصبحت في السادسة عشرة من عمري، في تلك المرحلة خُطبتُ لشاب يُدعى “أمين” في البداية رفضت أمي "جميلة " الفكرة تماماً لم يكن رفضها قسوة بل كان خوف أمٍ ما زالت ترى في ابنتها طفلتها الصغيرة و كنت أنا أيضاً أرى نفسي كذلك صغيرة على خطوة كهذه وفي مقتبل العمر.
وكان “أمين” يكبرني بنحو خمسة عشر عاماً تقريباً وهو فارق لم يكن بسيطاً في نظرها كان القرار ثقيلاً ومليئاً بأسئلة لم تُقل بصوتٍ عالٍ، لكن في هذا البيت كان هناك دائماً صوت ثالث حين تتعقد الأمور “ أنغام ” زوجة أخي “عيسى” كانت ميزان العقل في العائلة وملجأ التوازن حين تميل المشاعر لم تكن مجرد فرد بل كانت بمثابة أخت كبرى، وأحياناً أم ثانية في مواقف الحياة تدخلت بهدوء وتحدثت مع أمي جميلة بلغة الفهم لا الضغط شرحت لها الصورة من زاوية أوسع لا تقوم فقط على العمر، بل على الاستقرار والنية والقدرة على تحمّل المسؤولية ومع الوقت بدأ الرفض يلين شيئاً فشيئاً حتى وصلت أمي إلى نقطة القبول.
تمت الرؤية الشرعية لقاء هادئ رسمّي مليء بما لا يُقال أكثر مما يُقال ثم وبعد ستة أشهر عُقد القران هكذا انتقلتُ من طفولة لم تكتمل بعد إلى بداية طريق جديد تماماً، وبعد عقد قراني على “أمين” لم يعد الأمر مجرد ارتباط بين شخصين بل امتداداً أكبر بين العائلتين توالت الزيارات بيننا حتى أصبح حضور أسرة أمين جزءاً من حياتنا الأسبوعية وكان الاندماج سريعاً كأن المسافة بين العائلتين كانت تنتظر لحظة واحدة لتختفي تماماً حتى صاروا جزءاً من العائلة يحضرون “جمعة العائلة” كل أسبوع في منزل أمي " جميلة " دون أي شعور بالغربة وكان منزلها كما هو دائماً مفتوحاً، دافئاً، يحتضن الجميع رغم كل ما مرّ به من فقد.
وبالمناسبة أمي " جميلة " لم تكن فقط أماً لأبنائها بل جدة لعدد كبير من الأحفاد فأخي الأكبر “باسم” لديه ست بنات وولد وحيد يُدعى “أمير”، وهو يصغرني بعام واحد، وأخته “أميرة” تصغرني بعامين كنا أقرب من أبناء عمومة أقرب من أن يُختصرنا تعريف واحد كنا نكبر معاً ونصنع طفولتنا في مساحة واحدة من الذكريات.
ومع هذا التقارب لم يتوقف الأمر عندي وأمين بل امتد ليصبح رابطاً جديداً بين العائلتين، إذ طلبت السيدة “سارة”، والدة أمين، يد أختي الكبرى “فرح” لابنها “أنيس” وبعد الرؤية الشرعية تمت الموافقة، واستمر القبول بهدوء يشبه طبيعة العائلتين حين تتفقان.
واليوم…أقف أتحدث عن كل هذا في يوم زفافي على " أمين " وفي الوقت ذاته أشهد فرح أختي “فرح” وهي عروس لـ “أنيس”، بعد أن تم زفافها مسبقاً، كان المشهد كله كأنه انعكاس واحد يتكرر بصورتين.
أما أنا وأمين فكنا ننتظر حتى تبدأ الزفة لنمشي معاً بهدوء على الممر نحو المكان الذي سنجلس فيه في لحظة تختصر كل ما سبقها من حكاية.
انتظرو باقي الاجزاء




