في كل مجتمع هناك من يبني النجاح، وهناك من يعيش على هدمه بالكلمة والإشاعة ونقل الحديث بين الناس. والنمّام ليس مجرد شخص ينقل الكلام، بل خطر حقيقي يعبث بالعلاقات، ويهدم الثقة، ويزرع الشكوك في النفوس دون أن يشعر بخطورة ما يفعل.
كم من مشروع ناجح تغيّر مساره بسبب كلمة نُقلت بطريقة خبيثة، وكم من مسؤول تبدلت قناعته تجاه شخص أو فكرة أو مبادرة بسبب حديث حمله شخص لا يريد الخير لغيره. الأخطر أن بعض هؤلاء يتقنون ارتداء قناع الناصح الأمين، بينما هم في الحقيقة يشعلون الفتن بهدوء ودهاء.
عشتُ قصة النمّام في منعطفات كثيرة، وفي مجتمعات متعددة، ورأيت كيف يمكن لكلمة منقولة بسوء نية أن تغيّر المواقف وتهدم العلاقات، لكن أكثر ما آلمني وأشد ما واجهته كان في محيطي الذي أحببته وعشقته منذ سنوات طويلة… عالم أم الألعاب.
فأنا عشت ألعاب القوى لاعبًا، ثم إداريًا، ثم صحفيًا رياضيًا يرافق البطولات ويتنقل بين الميادين والمضامير، ورأيت من الجمال والأخلاق والروح الرياضية الشيء الكثير، لكنني في المقابل لم أرَ خطرًا على رياضة ألعاب القوى أشد من خطر “النمّام” الخبيث.
ذلك الشخص الذي لا يعيش إلا على نقل الكلام، وتلوين الحديث، وإشعال الخلافات بهدوء، متقمصًا أحيانًا دور المحب أو الحريص، بينما هو في الحقيقة يهدم أكثر مما يبني، ويفسد أكثر مما يصلح. وكم من علاقة جميلة أفسدها، وكم من مشروع ناجح عطّله، وكم من موهبة أو طموح حاول إطفاءه بكلمة مسمومة هنا أو هناك.
وفي الوسط الرياضي تحديدًا تبدو النميمة أكثر إيلامًا، لأن الرياضة في أصلها أخلاق وفروسية وروح تنافس شريفة، لكنها ـ كغيرها من البيئات ـ لا تخلو من النفوس المريضة والمتطفلين على النجاح. والمؤسف أن البعض لا يستطيع أن يرى شخصًا ينجح أو يقترب من تحقيق هدف إلا ويحاول التشويش عليه، إما بنقل الكلام، أو بإفساد العلاقات، أو بزرع الشكوك بينه وبين الآخرين.
والحقيقة التي يعرفها كثيرون في الوسط الرياضي أن أغلب العاملين فيه، أو السواد الأعظم منهم، قد عانوا يومًا من هذا “السم البشري” الذي يتسلل بين الناس بالكلمة، ويصنع أزمات قد لا تظهر للعلن، لكنها تترك أثرًا كبيرًا في النفوس والقرارات والعلاقات.
رياضة ألعاب القوى رياضة نبيلة، قائمة على الأخلاق والاحترام والتنافس الشريف، ولهذا يكون وجود النمّام فيها أكثر خطورة، لأنه يشوّه بيئة يفترض أن تبقى نقية وصافية.
وفي النهاية، يبقى الوعي هو خط الدفاع الأول. لا تصدق كل ما يُنقل إليك، ولا تجعل أذنك ممرًا للفتن، فليس كل ناقل للكلام صادقًا، وليس كل مبتسم ناصحًا. وبعض الناس لا يعيش إلا إذا رأى غيره مختلفًا أو متعثرًا.
هذه تجربة عشتها، وشاهدتها، ولمست آثارها بنفسي عبر سنوات طويلة في الملاعب… خصوصا من ميادين ومضامير العاب القوى هذا علمي، وسلامتكم.




