في عالم الساحرة المستديرة، تُبنى المدرجات لتجمع الشعوب لا لتفرقها، ووجدت اللعبة لتكون مساحة للتنافس الشريف والمتعة البصرية.
لكن عندما يتجاوز الشغف حدوده الطبيعية ليتحول إلى تعصب أعمى، فإننا نفقد جوهر الرياضة وقيمها السامية.
إن العودة إلى التاريخ وقراءة ملامح مسيرتنا الرياضية كفيلة بأن تذكرنا بأن الانتماء الأكبر كان وسيبقى دائمًا للوطن.
بدأت علاقتي المباشرة في حواري خميس مشيط، ثم معه في المستطيل الأخضر عام 1408هـ تقريبًا، حينما خطوت خطواتي الأولى في فئة الأشبال بنادي ضمك.
ومنذ تلك البدايات المبكرة، تشكل وعيي الرياضي على مؤشر واحد: "عشق الكرة الجميلة والأداء الممتع". هذا الشغف جعلني أتابع الرياضة بعين المحب للموهبة أينما وُجدت؛ فانتميت تشجيعًا لنادي الهلال، وعشت معجبًا بأجياله الذهبية المتعاقبة. سحرتني مهارة يوسف الثنيان، وصلابة صالح النعيمة، وذكاء سامي الجابر، وانضباط فهد المصيبيح وهذال الدوسري. وبهرني في حراسة المرمى عبد الله الدعيع وشقيقه محمد، مثلما عشت إبداعات نواف التمياط، وخالد التيماوي، وفهد الغشيان، وصولاً إلى ياسر الشهراني والنجومية الطاغية التي يقدمها سالم الدوسري اليوم.
وفي المقابل، لم يكن هذا الانتماء حاجزًا يمنعني من الإعجاب والوقوف احترامًا لرموز الغريم التقليدي نادي النصر؛ فمن يمكنه تجاوز التاريخ الذي سطره الأسطورة ماجد عبد الله، أو هندسة فهد الهريفي، ومهارة محيسن الجمعان، وفكر يوسف خميس، وصولاً إلى القيمة الكروية الكبيرة التي يضيفها كريستيانو رونالدو اليوم في ملاعبنا. هذا الإعجاب والإنصاف يمتد بطبيعة الحال إلى كل نجم أمتعنا في أندية المملكة، مثل نادي الاتحاد كأحمد جميل ومحمد الخليوي ومحمد السويد الشهراني ومحمد نور وحمزة إدريس، ونادي الأهلي كأمين دابو وخالد مسعد ومحمد عبدالجواد ، ونادي الشباب كسعيد العويران وفهد المهلل وعبدالله الواكد الشهراني والرومي،(قبل أن ينتقلوا وبعد الانتقال) ونادي الاتفاق كصالح خليفة وعبدالله صالح وعمر باخشوين..وغيرهم.
نحن في النهاية عشاق للجمال الكروي، ونصفق للأداء الرفيع بغض النظر عن لون القميص.
إن هؤلاء النجوم الذين أثروا ملاعبنا عبر العقود هم نواة منتخبنا الوطني السعودي، وهو الكيان الذي لا نساوم عليه أحدًا. انتصار "الأخضر" هو انتصار للمملكة بأكملها، وفرحة عابرة للمدن والقرى من شرق البلاد إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها.وعلى ذات النسق الأخلاقي، فإن أي نادٍ سعودي يمثل المملكة في البطولات الخارجية ليس مجرد فريق يبحث عن لقب شخصي، بل هو سفير فوق العادة لكل الأندية السعودية، وقبل ذلك سفير للمملكة. بناءً على ذلك، فإن نجاحه في المحافل الخارجية هو نجاح وريادة لرياضتنا الوطنية، وإخفاقه هو إخفاق يمسنا جميعًا، ومؤازرته واجب وطني يمليه الوعي والانتماء.
المؤسف حقًا، هو ما رصدناه مؤخرًا من ظواهر سلبية غريبة على مجتمعنا؛ حيث تصاعدت لغة الاتهامات الطاعنة في الذمم والتي طالت رؤساء الأندية، بل وتعدتها إلى رؤساء الاتحاد السعودي لكرة القدم. هذا الاحتقان والتراشق الإعلامي والجماهيري يتجاوز حدود النقد الرياضي المباح، لينعكس سلباً على سمعة رياضتنا وتاريخنا العريق الذي شيدته أجيال من المخلصين. والأنكى من ذلك، هو وصول شظايا هذا التعصب إلى عمق نسيجنا الاجتماعي والأسري. فقد شهدنا حالات من الخلافات الحادة بين الزملاء في ميادين العمل، بل وتواترت الأنباء عن حالات طلاق بين الزوجين، وقطيعة رحم بين الإخوة والزملاء بسبب مباراة مدتها 90 دقيقة! كيف لقطعة من الجلد تنتهي بصفارة حكم أن تمزق روابط الدم والصداقة والمحبة؟.
إن روح التحدي والمنافسة الشرسة مطلب أساسي لضمان إثارة اللعبة وقوتها، ولكن يجب أن تُدار هذه المنافسة بعقل وحكمة، وبأخلاق الروح الرياضية العالية. الرياضة في أصلها تنافس شريف، وروح قتالية داخل الميدان، وأخوة صادقة تجمع المتنافسين داخل المستطيل الأخضر وخارجه.اليوم، وأمام هذه الطفرة الرياضية الكبرى التي تعيشها بلادنا، أصبح من الواجب علينا أن ننشر ثقافة الوعي وننبذ الوعي الزائف للتعصب. اليوم، أنا ضمكاوي، وهلالي، ونصراوي، وأهلي، واتحادي، وشبابي، واتفاقي وشعلاوي.. أنا كل الأندية السعودية، لأنني ببساطة "سعودي"، والوطن هو المظلة الأكبر التي تجمعنا دائمًا بسلام ومحبة. وتحية طيبة للأندية السعودية،،




