ما أعظمها من أيّامٍ تتنزّل فيها الرحمات وتُفتح فيها أبواب الخيرات وتشرق فيها الأرواح بنور الطاعة والإيمان !!
إنها الأيّام العشر الأُوَل من ذي الحجة تلك المواسم الربانية التي خصّها الله بفضلٍ عظيم ورفع شأنها بين سائر الأيام حتى أقسم بها في كتابه الكريم فقال سبحانه :
﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾
وإذا أقسم الله بشيءٍ فإنما يُقسم بعظيم القدر جليل المكانة عظيم الأثر
فما بالك بأيامٍ شهد لها رسول الهدى صلى الله عليه وسلم بأنها أحب الأيام إلى الله في العمل الصالح ؟!
قال صلى الله عليه وسلم :
“ ما من أيامٍ العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام ”.
يعني : العشر الأُوَل من ذي الحجة .
حتى إن الصحابة رضوان الله عليهم تعجّبوا من هذا الفضل العظيم فقالوا :ولا الجهاد في سبيل الله يا رسول الله ؟
فقال عليه الصلاة والسلام :
“ ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء ”
يا الله !!
أيُّ منزلةٍ يبلغها المؤمن في هذه الأيام وهو بين أهله وبيته، يلهج بالذكر ويعمر وقته بالصلاة والقرآن حتى يسبق بأعماله كثيراً من ميادين التضحية والجهاد ؟!
إنها نفحاتٌ ربانية لا يعرف قدرها إلا من أيقظ قلبه وأقبل على الله بقلبٍ خاشع وروحٍ تائبة .
في هذه الأيام تزدهر الطاعات وتطيب الأرواح وتغدو الحياة أكثر صفاءً وطمأنينة وكأن الدنيا تلبس ثوب السكينة وتتعطر بذكر الرحمن .
وقد سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
أيهما أفضل : عشر ذي الحجة أم العشر الأواخر من رمضان ؟
فقال قولته البديعة :
“ أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام عشر رمضان، وليالي عشر رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة ” .
وجاء الشيخ العلّامة ابن عثيمين رحمه الله يقرّب هذا المعنى لطلابه فقال :
“ رجل تصدّق بدرهمٍ في رمضان، وآخر تصدّق بدرهمٍ في عشر ذي الحجة، فأيهما أفضل ؟ ”
ثم قال :
“ الذي تصدّق في عشر ذي الحجة أفضل والذي صلى ركعتين فيها أفضل، والذي أكثر من التسبيح والتهليل فيها فهو أفضل ”.
فيا صاحب القلب المؤمن ،هذه فرصتك التي لا تتكرر إلا مرةً في العام
فلا تجعلها تمرّ كغيرها من الأيام .
شمّر عن ساعد الجد وأقبل على الله إقبال المشتاق إلى رحمته واسعَ أن يكون لك في هذه الأيام نصيبٌ من كل خير .
أكثر من الصلاة وأحيِ ليلك بالقيام وبلّل لسانك بالاستغفار
واجعل القرآن ربيع قلبك ونور صدرك .
وصم ما استطعت فإن للصيام في هذه الأيام فضلاً عظيماً
وخاصة يوم عرفة الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم :
“ صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله والسنة التي بعده ”.
وتصدّق فما نقص مالٌ من صدقة بل هي بركةٌ في الرزق
وطهارةٌ للنفس وسعادةٌ تسكن القلب .
وقد قال صلى الله عليه وسلم :“ ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما : اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكاً تلفاً ”.
ولا تنسَ الذكر
فإن الذكر حياة القلوب وزاد الأرواح، وطمأنينة النفوس
قال تعالى :
﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ ﴾.
فأكثروا من :
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
وأكثروا من التسبيح والتحميد والتهليل والاستغفار والدعاء.
وفي ختام هذه الكلمات :
نسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يجعلنا وإياكم من المقبولين وأن يرزقنا فيها الإخلاص والقبول وأن يكتب لنا فيها رحمةً ومغفرةً وعتقاً من النار .
وصلّى الله وسلّم على سيدنا محمد، الرحمة المهداة ، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين .
وكل عام وأنتم إلى الله أقرب ، وفي ميادين الطاعة أسبق ، وبالخير والإيمان أسعد .




