سلسلة تربوية أسبوعية (3) :"الحمد لله: مفتاح الرؤية الصحيحة للحياة"
استمراراً في سلسلتنا الأسبوعية عن "الحمد لله: مفتاح الرؤية الصحيحة للحياة"، نسلط الضوء على سؤال محوري يفرض نفسه: لماذا، رغم كثرة النعم التي تحيط بنا، نشعر أحياناً وكأنها غير موجودة؟ ولماذا يظلّ الحمد عند بعضنا فكرةً ندرك أهميتها، لكننا لا ننجح في تحويلها إلى سلوك يومي حاضر في تفاصيل حياتنا؟
لعلّ الإشكال لا يكمن في غياب النعم بقدر ما يكمن في الطريقة التي نراها بها، أو ربما في اعتيادنا عليها حتى تصبح خارج دائرة الانتباه.
وقبل الخوض في هذا الموضوع، من المهم التنويه إلى أن الأسباب التي سنستعرضها لا تنطبق بالضرورة على الجميع، بل هي محاولة لرصد أبرز العوائق التي قد يواجهها كثير من الناس، مع اختلاف خلفياتهم النفسية والمعرفية والبيئية. الهدف هنا ليس التعميم، بل فتح باب التأمل: أيّ من هذه العوامل قد يكون أقرب إليك؟ فمجرد الوعي هو بداية التغيير… وهنا نستعرض أبرز الأسباب ضمن أربعة محاور رئيسية:
- عوامل معرفية: كيف يفكر الانسان؟
كثير من الناس لا يهملون الحمد لله عن قصد، بل بسبب طريقة تفكيرهم:
الانحياز السلبي:
يميل العقل البشري بطبيعته الى التركيز على المشاكل والتهديدات أكثر من النعم، كآلية بقاء. لذلك، حتى في يوم مليء بالأمور الجيدة، قد يعلق الذهن على موقف سلبي واحد، ويطغى على الباقي.
التعود على النعم:
ما يتكرر يصبح عادياً، فيفقد أثره الشعوري. الصحة، الامان، العلاقات…، كلها تتحول مع الوقت الى "أشياء مفروغ منها" فلا نراها الا حين نفقدها.
الفصل بين الحمد والشعور بالرضا:
قد يعتقد البعض أن الحمد يستدعي شعوراً داخلياً بالرضا أولاً، بينما الحمد في جوهره فعل إرادي يسبق شعور الرضا. غياب هذا التفريق يجعلهم ينتظرون "المزاج المناسب" للحمد.
توقعات غير واقعية:
بعض الأفراد يبحثون عن نتائج سريعة، وقد يشعرون بالإحباط إذا لم يروا تغييرات فورية في حياتهم بعد ممارسة الحمد. كما يربط البعض الحمد بالشعور الدائم بالسعادة أو الرضا الكامل. فإذا لم يشعر بذلك، ظن أن الحمد غير مفيد، مع أن قيمته الحقيقية تظهر تحديداً في الاوقات الصعبة.
الاعتقاد بأن الحمد معاكس للطموح:
بعض الناس يظنون أن الحمد يعني أن يتوقفوا عن الطموح. فيخشون أن يكون الحمد "استسلاماً"، فيبتعدون عنه دون وعي.
وهم الاكتفاء الذاتي ونسبة الفضل للنفس:
عندما يتبنى الإنسان رؤية داخلية قائمة على أنه "صنع نفسه بنفسه"، وينسب ما لديه بالكامل إلى جهده أو ذكائه، يتكوّن لديه شعور بالاكتفاء الذاتي يجعله لا يرى حاجة للحمد. في هذه الحالة، تتحول النعم في نظره إلى مكتسبات مستحقة لا عطايا، ويُنظر إلى الحمد وكأنه تقليل من قيمة كفاحه الشخصي، لا تعبيرًا عن وعي أعمق بمصادر الفضل والتيسير.
التركيز على المستقبل بدل الحاضر:
العقل أحياناً يعيش في "ما سيكون" أكثر من "ما هو كائن". فمن ينتظر شيئاً معيناً ليحمد: وظيفة، شفاء، نجاح ...الخ، قد لا يرى ما لديه الآن.
ثنائية (كل شيء أو لا شيء):
يميل البعض لربط الحمد بتحقق "الصورة الكاملة". فإذا كان لديه رزق ولكن ينقصه الولد، أو لديه صحة ولكن ينقصه المال، يرى أن النقص يلغي النعمة الموجودة. غياب "الكل" يجعله يغفل عن "الجزء"، في حين أن الحمد هو ممارسة الامتنان وسط النقص.
- عوامل نفسية: ماذا يشعر الانسان؟
الحالة النفسية لا تؤثر فقط على مشاعرنا، بل على ما ننتبه له اصلاً.
الانشغال بما يثقلُ عليه:
القلق، الاكتئاب، أو الضغط المستمر يجعل الانتباه منصباً على ما ينقص لا ما يوجد. في هذه الحالة، لا يتجاهل الانسان النعم لأنه لا يقدرها، بل لأن نفسيته أصبحت مضطربة، فلا يبقى فيها متسع للحمد.
تراكم الجروح النفسية القديمة:
من عاش خيبات متكررة قد يطوّر "حساسية" تجاه الفرح، فيصبح الحمد بالنسبة له مخاطرة عاطفية، كأنه يخشى أن يفرح فيُخذل من جديد. ويغيب عنه أن الممارسة الصحيحة للحمد هو خير علاجٍ لهذه الجروح المتراكمة.
الخوف المبالغ من الحسد (العين):
في بعض المجتمعات، قد يكف بعض الناس عن التعبير بالحمد خوفاً من "جلب الانتباه" للنعمة وإصابتها بالحسد! وهذا يجعل الشخص يتبنى "خطاب الشكوى" كدرع حماية واهم، مما يعطله عن تذوق طعم النعمة داخلياً.
- عوامل سلوكية وبيئية: كيف يعيش الانسان؟
حتى لو فهم الشخص أهمية الحمد، قد لا يتحول ذلك الى ممارسة بسبب:
الروتين والانشغال:
في هذه الحالة لا تكمن المشكلة في عدم وجود وقت، بل في أن الحمد لا يدخل ضمن الاولويات اليومية، فيُؤجَّل باستمرار.
غياب التوقف:
نمط الحياة السريع يمنع لحظات التوقف التي يتطلبها الحمد، فهو يحتاج إلى "وقفة" واعية، والسرعة تقتل هذه الوقفة.
ازدحام الانتباه:
كثرة المحتوى، الأخبار، التنبيهات، المقارنات…، تجعل الدماغ في حالة "تشبع"، ومع التشبع يفقد الإنسان القدرة على الحمد.
غياب الممارسة العملية:
كثيرون يتلفظون بكلمات الحمد، لكن لا يعرفون كيف يمارسونه بوعي (فضلاً انظر المقالة السابقة).
الثقافة المحيطة:
في زمن المقارنات المستمرة، خاصة عبر وسائل التواصل، يتعرض الانسان يومياً لصور تضخّم شعوره بالنقص، وتجعل ما لديه يبدو أقل مما هو عليه. فمثلاً شخص يفتح هاتفه لدقائق، فيرى انجازات الاخرين، وأسفارهم، ومظاهر حياتهم…، فيخرج بشعور خفي بأن حياته "ناقصة"، رغم أن يومه كان مليئاً بنعم حقيقية.
- عوامل السردية الذاتية: كيف يرى الانسان نفسه؟
كما أنه توجد لكل رواية سردية ترتب أحداثها، فكذلك لكل شخص سردية خاصة بهيفسر من خلالها أحداث حياته. وللأسف الكثير من البشر تكون سرديتهمغير إيجابية.
سردية المظلومية/الاستحقاق:
قد يبني الشخص سرديته على كونه مظلوماً أو غير محظوظ، فيصبح الحمد وكأنه يتعارض مع هذه السردية.
أو يتبنى عقلية "الاستحقاق"، فيرى أن ما لديه هو الحد الادنى الذي يجب أن يكون، فلا يشعر بوجود ما يحمد عليه. في هذه الحالة، لا يكون الحمد مجرد "عادة صعبة" بل يبدو وكأنه "غير منطقي" من داخل نظرة الشخص لنفسه.
ضعف الصدق:
عندما يبني الإنسان سردية داخلية تقوم على المبالغة في المشكلات وتقليل النعم، فهو لا يمارس الصدق مع واقعه. الحمد هنا يحتاج إلى مواجهة هذه السردية المختلة، وضعف الصدق يعني تمسكاً ضمنياً بصورة ذهنية غير حقيقية عن الذات والحياة.
الخلاصة:
ضعف ممارسة الحمد لا يعني غياب النعم، بل غالباً يعني وجود عوائق في طريقة التفكير، أو الشعور، أو نمط الحياة، أو حتى في نظرة الانسان لنفسه.
سؤال للتأمل:
أي من هذه العوائق يظهر في حياتك أكثر من غيره؟
تحديد السبب هو الخطوة الاولى لتغييره.
وحتى حلقتنا القادمة بإذن الله…
عش بالحمد، لتَر ما لم تكن تراه.




