تماشياً مع "رؤية 2030"، تشهد المملكة العربية السعودية خلال السنوات الأخيرة تحولاً جذرياً في مفهوم "تجربة العميل" (سي إكس)، حيث انتقلت من كونه مجرد خيار لتحسين جودة الخدمة إلى ركيزة أساسية في استراتيجيات الجهات الحكومية والخاصة على حد سواء، إذ أصبح العميل هو المحور الذي تُبنى حوله السياسات والابتكارات الرقمية.
وبالنظر إلى فلسفة التحول في "تجربة العميل"، نجد أن النجاح لم يعد يُقاس بتقديم الخدمة فحسب، بل بمدى السهولة، السرعة، والأثر العاطفي الذي تتركه تلك الخدمة في نفس المستفيد. لقد أدركت المملكة أن تحسين جودة الحياة يبدأ من تبسيط الإجراءات البيروقراطية في القطاع العام، وتخصيص الخدمات في القطاع الخاص، مما خلق بيئة تنافسية عالمية تضع رضا الإنسان أولاً.
ويُعد القطاع الحكومي اليوم نموذجاً يُحتذى به عالمياً في التحول الرقمي المتمحور حول العميل. ومن أبرز الأمثلة الناجحة:
- منصة أبشر: التي حوّلت الخدمات الحكومية من طوابير انتظار إلى نقرات بسيطة، محققةً كفاءة تشغيلية ومستويات رضا استثنائية.
- تطبيق صحتي: الذي أعاد تعريف تجربة المريض من خلال رقمنة المواعيد والوصفات الطبية، مما جعل الرعاية الصحية تجربة سلسة وشخصية.
- منصة توكلنا: التي تطورت من تطبيق لمواجهة الأزمات إلى "رفيق رقمي" يقدم مئات الخدمات التي تمس حياة المواطن والمقيم بشكل يومي وبواجهات مستخدم متطورة.
في المقابل، تسارعت وتيرة الابتكار في القطاع الخاص لمواكبة تطلعات المستهلك السعودي الواعي تقنياً، ومن أمثلة ذلك:
- قطاع البنوك (إس تي سي باي، ومصرف الراجحي): نجحت هذه المؤسسات في خلق تجربة بنكية "بلا فروع"، حيث تتم كافة العمليات بلحظية تامة، مع التركيز على واجهات مستخدم (يو آي) تضمن رحلة عميل خالية من العقبات.
- قطاع التجزئة والتجارة الإلكترونية: أصبحت شركات (مثل: "نون"، و"نمشي") تتنافس ليس فقط على السعر، بل على تجربة ما بعد البيع، وسرعة التوصيل، وسهولة الاسترجاع، وهي العناصر التي تحدد ولاء العميل اليوم.
ومن ناحية أخرى، يُشكل قطاعا السياحة والطيران رأس الحربة في استراتيجية "تجربة العميل" الجديدة في المملكة، حيث يُمثلان واجهة العرض الأولى للعالم والمحرك الأساسي لجعل السعودية وجهة عالمية رائدة.
فعلى صعيد قطاع الطيران، أصبح "الضيف" في قلب الرحلة، حيث انتقلت شركات الطيران الوطنية، وعلى رأسها الخطوط السعودية وطيران أديل، من مفهوم "نقل الركاب" إلى "تصميم الرحلات".
كما أصبحت رحلة المسافر تبدأ من تطبيقات ذكية توفر تخصيصاً كاملاً للمقاعد والوجبات، وصولاً إلى المطارات الذكية التي تستخدم التقنيات البيومترية لتسريع إجراءات الدخول.
كذلك، تم إطلاق برامج تدريبية مكثفة لطواقم الضيافة تعتمد على مبادئ "الحفاوة السعودية"، مما دمج بين الأصالة والاحترافية العالمية، لضمان تجربة سفر لا تُنسى.
أما على صعيد قطاع السياحة، فمع انطلاق مشاريع كبرى (مثل: البحر الأحمر، والعلا)، تم تبني فلسفة "السياحة المتجددة" التي تضع تجربة الزائر فوق كل اعتبار.
فيما أحدثت التأشيرة السياحية الإلكترونية ثورة في تجربة العميل، حيث يمكن للسائح الحصول على تأشيرته في دقائق، مما أزال أكبر عائق في رحلة العميل الدولية. إلى ذلك، تعتمد الوجهات السياحية الجديدة على أنظمة ذكاء اصطناعي تتنبأ بتفضيلات الزوار، بدءاً من الأنشطة الترفيهية وصولاً إلى خيارات الإقامة، مما يخلق تجربة "مفصلة" لكل زائر على حدة.
وتتويجاً لهذه الجهود، برزت "جائزة تجربة العميل السعودية" كمنصة وطنية تهدف إلى تكريم التميز والابتكار في هذا المجال، إذ تلعب الجائزة دوراً حيوياً في:
- تحفيز المنافسة: دفع المؤسسات لتبني أفضل الممارسات العالمية.
- تبادل الخبرات: توفير بيئة تجمع الخبراء والممارسين لتبادل قصص النجاح والفشل، مما يرفع المعايير المهنية في السوق السعودي.
- نشر الثقافة: تسليط الضوء على أهمية قياس "صوت العميل" وتحويل البيانات إلى قرارات استراتيجية.
وأخيراً.. إن ما حققته المملكة في ملف "تجربة العميل" خلال الأعوام القليلة الماضية ليس مجرد تحسينات إجرائية، بل هو تغيير ثقافي شامل. إن الاستثمار في التقنيات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي لتحليل سلوك العميل، ودمج ذلك مع الكوادر البشرية الوطنية المدربة، يضمن للمملكة استمرار ريادتها كوجهة عالمية للابتكار في خدمة الإنسان. إن المستقبل في المملكة العربية السعودية لا يَعِدُ فقط بخدمات أسرع، بل بتجارب أكثر إنسانية وذكاءً.
ــــــــــــ
*رائد أعمال ومستثمر.




